انْتِحَارُ قَصِيدَةٍ

 



 بقلم بهيجة البعطوط من تونس

قَالَتِ القَصِيدَةُ:

حِينَ لَمْ يَعُدِ العِشْقُ صَلَاةً

وَلَا الذِّكْرُ مَلَاذًا

بَلْ حَدًّا يُقَامُ

وَسَيْفُ مَعْنًى يُشْهَرُ فِي فُؤَادِ الغَيبِ


أَنَا القَصِيدَةُ

مَسْلُوبَةٌ عَلَى حَرْفٍ

مَذْبُوحَةٌ بَيْنَ الدَّالِّ وَالمَدْلُولِ

جَلَّادِي لُغَتِي

وَشَهِيدِي خَافِقِي وَحَارِسِي

لَسْتُ أَنَا مَنْ كَتَبَنِي

هَذَا الوَجْدُ أَسْبَقُ مِنَ القَلَمِ

وَأَقْدَمُ مِنَ النَّحْوِ


لَا يُرْوَى

وَلَا يُؤَوَّلُ

وَلَا يُسْتَبْقَى فِي شَرِيعَةِ العَقْلِ


كُنْتُ أَسِيرُ إِلَى المَعْنَى

سَيْرَ السَّالِكِ إِلَى فَنَائِهِ

فَلَمَّا بَلَغْتُهُ

سَقَطَ الطَّرِيقُ

وَتَسَاقَطَتِ الأَسْمَاءُ تِبَاعًا

كَشَظَايَافِي مَرْآةِ الغَيْبِ


كُلُّ بَيْتٍ كَتَبْتُهُ

كَانَ خُطْوَةً إِلَى المِقْصَلَةِ

وَكُلُّ مَعْنًى فَهِمْتُهُ

زَادَنِي عُرْيًا

أَمَامَ سَمَاءِ لا تَسْتُرُ العَارِفِينَ


فَلَمَّا اكْتَمَلَ الحُبُّ

وَتَوَحَّدَ الجُرْحُ

رَأَيْتُهُ بِرُوحِي المُتَيِّمَةِ

نَادَيْتُهُ: يَا أَنَا

فَقَالَ: هَذَا حِجَابُك

نَادَيْتُهُ بِاسْمِهِ

فَقَالَ: هَذَا شِرْكُكِ

فَلَمَّا سَكَتُّ

وَانْخَلَعَ صَوْتِي مِنْ حَنْجَرَةِ المَعْنَى

وَبَطَلَتِ الإِشَارَةُ

وَخَرِسَ اللِّسَانُ

قُلْتُ: أَنَا


فَقِيلَ لِي: لَا أَنْتِ

قُلْتُ: هُوَ

فَقِيلَ لِي: لَا هُوَ

وَفَجْرٌ قالَ فِيَّ مَا لَا يُقَالُ


ظَهَرَ بِلَا وُجُودٍ

وَحَضَرَ بِلَا أَيْنٍ

وَتَكَسَّرَ الحَرْفُ فِي نُورِهِ


أَنَا القَصِيدَةُ

حِينَ قَالَ الحَلَّاجُ:

«أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا»،

سَقَطَتِ المَسَافَةُ

وَانْمَحَى بَيْنَنَا

سِوَى جُرْحٍ مِنْ نُورٍ

وَسُكْرٍ بِلَا خَمْرٍ

وَفَنَاءٍ بِلَا رُجُوعٍ


كُلُّ حَرْفٍ كَتَبْتُهُ

كَانَ مِسْمَارًا فِي نَعْشِ اللُّغَةِ

وَكُلُّ مَعْنًى بَلَّغْتُهُ

كَانَ مَوْتًا آخَرَ

فِي سَبِيلِ الحُضُورِ


رَأَيْتُ الوَجْدَ

سَيْفًا مَسْلُولًا مِنْ غَيْبٍ

مَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَخْرُجْ

وَمَنْ نَجَا مِنْهُ مَا عُرِفَ

وَلَا نُسِبَ

فَلَمَّا تَمَّ الكَشْفُ

وَانْهَارَ الاِسْمُ

وَانْطَفَأَتْ مَرَايَا الذَّاتِ

وَفَنِيتُ عَنِّي


عَلِمْتُ أَنَّ البَقَاءَ بَعْدَ الوَصْلِ رِدَّةٌ

وَأَنَّ النَّجَاةَ مِنَ الفَنَاءِ خِيانةٌ

فَمُتُّ وَأَنَا أَحْيَا

وَحُكِمَ عَلَيَّ بِالعِشْقِ قِصَاصًا


فَانْتَحَرَتِ القَصِيدَةُ

عَلَى مَرْأًى مِنَ اللُّغَةِ

لَا يَأْسًا

بَلْ وَجْدًا

لِأَنَّ البَقَاءَ بَعْدَ الوَصْلِ عَدَمٌ.


 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology