الشاعر محمد السباعي
مرثية إلى يوسف إدريس
(1)
فِي بِلَادٍ
تُسَعِّرُ اللَّيْلَ بِحَسَبِ الضَّرُورَةِ،
وَتَبِيعُ النَّهَارَ
بِحَسَبِ الْخَوْفْ،
كَانَ يَمُرُّ
وَيَعْرِفُ أَنَّ الشَّرَفَ
حَادِثَةٌ عَابِرَةٌ
تُحْرَّرُ ضِدَّهَا مَحَاضِرُ
بِخَطِّ الْفُقَرَاءِ.
كَانَ يَقُولُ:
لَا تَسْأَلُوا مَنْ سَقَطَ،
اسْأَلُوا
مَنْ وَقَّعَ عَلَى السُّقُوطْ.
(2)
اللَّيَالِي هُنَا
تَنْخَفِضُ أَسْعَارُهَا
كُلَّمَا ارْتَفَعَ الصَّمْتُ،
وَالْأَجْسَادُ
تَتَعَلَّمُ
كَيْفَ تَقِفُ فِي الطَّابُورِ
دُونَ أَنْ تَطْلُبَ نَجَاةْ.
فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
يَتَقَاسَمُ النَّاسُ
الْحَرَارَةَ
وَالْخَجَلَ
وَالْدُّعَاءَ الْمُؤَجَّلْ،
وَيَخْرُجُ الْجَسَدُ
مِنَ الْجَسَدِ
دُونَ أَنْ يَجِدَ اسْمًا
غَيْرَ الضَّرُورَةْ.
(3)
وَفِي الْخَارِجِ
عَسْكَرِيٌّ
يَرْبِطُ اللَّيْلَ بِحِزَامٍ أَسْوَدْ،
لَا يَحْمِي أَحَدًا،
لَكِنَّهُ
يُجِيدُ الْوُقُوفَ.
بُوتُهُ
أَثْقَلُ مِنَ الْحَقِيقَةِ،
وَصَوْتُهُ
أَعْلَى مِنَ الْجُوعِ،
وَإِذَا سَأَلْتَهُ:
مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا النِّظَامْ،
وَأَغْلَقَ الْمَعْنَى
بِخَتْمٍ رَسْمِيٍّ.
(4)
كَانَ يَرَى
أَنَّ الْجُمْهُورِيَّاتِ
تَكْثُرُ
حِينَ يَقِلُّ الْمَوَاطِنُونَ،
وَأَنَّ الْخُطَبَ
تَطُولُ
حِينَ يَقْصُرُ الْعَدْلُ،
وَأَنَّ الْمَسَارِحَ
تَمْتَلِئُ
بِالْهُتَافِ
لِأَنَّ الْبُطُونَ
فَارِغَةْ.
كَانَ يَكْتُبُ
وَكَأَنَّهُ
يَضْحَكُ
فِي جَنَازَةِ الْكَذِبْ.
(5)
الشَّرَفُ
لَمْ يَمُتْ،
هُوَ مَحْبُوسٌ
فِي مِلَفٍّ،
تَحْتَ سُلَّمٍ،
يَنْتَظِرُ شَاهِدًا
لَا يَخَافُ
أَنْ يُصْبِحَ مُتَّهَمًا.
وَالْخَطِيئَةُ
تَتَجَوَّلُ حُرَّةً
بِأَوْرَاقٍ سَلِيمَةْ.
(6)
يُوسُفُ
لَمْ يَكْتُبْ لِيُدِينَنَا،
كَتَبَ
لِيَمْنَعَنَا
مِنْ رَاحَةِ الْبَرَاءَةِ.
كَانَ يَعْرِفُ
أَنَّ أَخْطَرَ مَا فِي الْوَطَنِ
لَيْسَ الْقَمْعَ،
بَلِ التَّعَوُّدَ عَلَيْهِ.
(7)
الْآنَ
نُشَيِّعُهُ
بِكَلِمَاتٍ أَهْدَأَ مِمَّا كَانَ،
نَضَعُ عَلَى نَصِّهِ
إِكْلِيلَ احْتِرَامٍ
وَنَمْضِي.
لَكِنَّهُ
لَوْ نَهَضَ
لَسَأَلَنَا:
هَلِ ارْتَفَعَ سِعْرُ اللَّيَالِي؟
هَلْ أَصْبَحَ الشَّرَفُ
أَقَلَّ وَحْدَةً؟
هَلْ خَلَعَ الْعَسْكَرِيُّ
حِذَاءَهُ
عَنْ صَدْرِ الطُّرُقَاتْ؟
(8)
أَقُولُ
وَالْكَلِمَةُ
مَا زَالَتْ تَنْزِفُ:
لَوْ أَنَّ هٰذِهِ الْبِلَادَ
تَقْرَأُ نُصُوصَهَا،
مَا احْتَاجَتْ
إِلَى كُلِّ هٰذَا
الْعَزَاءِ.
