قصص قصيرة جداً

 


​القاص : حسين بن قرين درمشاكي


​مَـعـبَر

على مائدةِ الصمت، تفتتَ رغيفُ الوقت. انكسرَ المدى فجأةً؛ استحالت كلماتُهما شظايا زجاجٍ عالقةً في حنجرةِ الذاكرة. توسّدَ ملامحَها كخريطةِ وطن. رمقتهُ كقاعةِ انتظار. مـضيا.. خلفهما مدنٌ مأهولةٌ بالسكوت. ليلةَ الوداع، انتحرَ العتابُ خلفَ الأسنان. تعثّرَ بخطواتِ الرحيل. رفرفت الكلماتُ المبتورةُ كأجنحةٍ قصّها المدى. سلامٌ على ما لم يكن. ضاقَ صمتُها.. حتى خنقَ اللقاء.


***********


​نـبـش

يطحنُ الحصى بأمعاءٍ خاوية.

بـ "فأس" نظراته يثقبُ الأرض.

سأله: ماذا تفعل؟!

أجاب: إني أفسحُ مكاناً للجثة.

اهتز الرخام.. مال القصرُ نحو الحفرة.

خرَّ المسؤولُ باكياً.


**********


​مُزايدة

بقطيفةٍ بيضاء، يمسحُ الأميرُ جبهةَ البقرة. تهوي المطرقةُ: "مليار!"

خلفَ القاعةِ، يمسحُ الراعي بظاهرِ كفِّهِ بَللاً عن وجنتِهِ؛ يشدُّ صرَّتَهُ، ويمضي بجسدٍ مائل.


*********


​بُؤرة

مرايا؛ عكستْ صقيعَ الشتاءِ بدفءٍ مريب.

غفا القمرُ في كفّهِ.

أطبقَ أصابعَهُ على نصلٍ من ضوء.


*********


أمانة

​علقوا معطفه على مشجب المقهى ومضوا.

كلما دسَّ عابرٌ يده في جيبه، باغتته ضحكةٌ رنّانة.

رحل صاحب المِعطف، وبقيت جيوبه تعزف للمارة.


********


رِتاج

​يغرسُ مِعولَ الحقيقةِ في أرضٍ نَسِيَت شكلَ المطر. خَلفَه، يرتجفُ الأبُ؛ خريفٌ يسكنُ المفاصل. سقطَ "المتنُ" من يدهِ، فتناثرت دماءُ القُبّراتِ فوقَ قميصهِ الأبيض.

​على الرصيفِ المقابل، تزهو الحشودُ بـ "الهامش" المزيّن بالريشِ الزائف. في ظلالِ الحياد، تَعكُفُ النخبةُ على خياطةِ ثوبِ الشرعيةِ للرداءة.

​حين غفت آخِرُ الأسئلة.. استيقظَ النصُّ وحيداً، يحرُسُ جثةَ الوعي.


**********


ذَبذَبَة

​ارتبكتِ الأنفاسُ في الصدورِ مع أولِ صرخةٍ تقنيةٍ انطلقت من شاشاتِ الهواتف: إنذارٌ أحمر.

انزلقتِ الأقفالُ على أبوابِ الحوانيت.

تلحّفتِ السياراتُ بأغطيتِها.

ابتلعتِ الرفوفُ أكياسَ القمحِ والسكرِ في سباقٍ مع الرعدِ المنتظر.

في زاويةِ البيت، كان المصحفُ المفتوحُ على طاولةِ الجدّ، يروي نبأَ زلزلةٍ تُخرجُ فيها الأرضُ أثقالَها.

ذرّاتُ الغبارِ استقرّتْ فوق صفحاتِه في سكونٍ مديد.

تسمّرتِ الأعينُ خلفَ النوافذِ، ترقبُ سحابةً عابرة.


**********


نبضُ الحقيقة

​على طاولةٍ آكلةٍ خلَّفها بيانٌ رسمي، جلستْ تلمُّ شتاتَ الوقت. وجهُها ضوءٌ يطردُ العتمة. أمامها رجالٌ من سراب، يصنعون مشروعاً على الورق. يجهّزون كَفنَه بابتسامةٍ أمام الكاميرات.

​لم تهتمَّ لضجيج الأقاويل. كانت أصابعُها هي الميزان، تلمسُ وجعَ الحكاية. أدركتْ أنَّ الخبرَ قد مات في مخازن الطمع. ​وضعتْ يدَها على قلبِها. هدأ الزحامُ وبقيَ النبض. صار الغدُ قصيدةً حقيقية، سالتْ حبراً على جثةِ الزيفِ الأخير؛ لتقول للعالم: إنَّ الحقَّ شابٌ لا يهرم.. وإنْ شاخَ كلُّ مَن حوله.



**********

تَرَسُّب

​كانوا خِفافاً كالهباء.

عبروا مَسامَّ الروح، وخلّفوا وراءهم طنينَ الفراغ.

في القاع، لا شيءَ رحل.

تكدّس الغبارُ.

 بَرَدَ.

تحجّر.

مرّوا كريحٍ لا تُمسك،

لكنّ ثقلَنا جذبَ غبارَهم..

فاستحالَ صخرةً نابتةً تحت الجلد.


**********

إعْيَاء

​نَخَرَ الصدأُ آخِرَ مَساميرِ الصبر.

تشظّى المظلومُ..

ولم يتركْ خلفَهُ حجرًا فوقَ حجر.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology