حين تتزيّن مصر بالحبر




بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 


دخلتُ معرض الكتاب هذه المرة لا كزائرة عابرة، بل كشاهدة على حالة ثقافية نادرة الحدوث. منذ الخطوة الأولى، شعرت أنني أعبر بوابة إلى عالم آخر، عالم تتكثف فيه الفكرة، وتلمع فيه الكلمة، وتتحول القاعات إلى مساحات نابضة بالحياة. الفعاليات لم تكن مجرد برنامج مُعلن، بل طاقة متدفقة من الحوار، ودهشة متجددة في كل ركن، واحتفاء حقيقي بالعقل المصري والعربي وهو يستعيد مكانه في الصدارة. انبهرت بهذا الزخم الإنساني والفكري الذي لا يشبه إلا نفسه، وكأن المعرض قرر هذا العام أن يكون أكثر من حدث… أن يكون تجربة كاملة تُعاش وتُحكى.

ليس معرض الكتاب مجرد أجنحة مصطفّة ولا عناوين تتراص على الأرفف، بل هو عرس ثقافي كامل الأركان، تُزفّ فيه الكلمة إلى العقل، ويُحتفى فيه بالمعرفة كما تُحتفى الأوطان بأعيادها الكبرى. في هذا الموعد السنوي، تتحول القاهرة إلى مدينة من ورقٍ نابض بالحياة، وتصبح الكتب جواز سفرٍ مفتوحًا يعبر به المصري والعربي من حدود اليوميّ إلى رحابة الفكر.

معرض الكتاب ملحمة وطنية هادئة، لا تُرفع فيها الشعارات بقدر ما تُرفع الأسئلة، ولا تُطلق فيها الهتافات بل تُشعل فيها العقول. هنا يلتقي الكاتب الذي قضى عمره في مطاردة الفكرة، بالقارئ الذي جاء يبحث عن نفسه بين السطور. هنا تتجاور السياسة مع الأدب، والفن مع التاريخ، والفلسفة مع الحكايات الشعبية، في مشهد يؤكد أن الثقافة ليست رفاهية، بل روحًا تسكن جسد الوطن.

الجاذبية الحقيقية للمعرض لا تكمن فقط في عدد الدور المشاركة أو أسماء الضيوف اللامعة، بل في هذا التنوع الإنساني اللافت؛ سياسيون يخلعون ربطة البروتوكول ليتحدثوا عن كتبهم المفضلة، فنانون يكتشفهم الجمهور بعيدًا عن الأضواء، مثقفون عرب جاءوا يحملون لهجاتهم وتجاربهم وأسئلتهم، وأسر مصرية حولت الزيارة إلى طقس سنوي يشبه النزهة المقدسة، حيث يتعلم الأطفال أن الكتاب صديق مبكر لا بديل عنه.

اللافت أن المعرض لم يعد مجرد سوق للكتب، بل مساحة حوار مفتوحة. ندوات تشبه جلسات الاعتراف الفكري، توقيعات كتب تتحول إلى لقاءات إنسانية، وممرات تشهد نقاشات عفوية قد تكون أعمق من أي منصة رسمية. في هذا الفضاء، تسقط الحواجز بين النخبة والجمهور، ويصبح الجميع شركاء في صناعة الوعي.

ومن خارج الصندوق، ينجح معرض الكتاب في أن يكون مرآة للزمن؛ يرصد تحولات المجتمع، ويكشف اهتمامات الجيل الجديد، ويمنح الفرصة للأصوات الجديدة كي تخرج من الهامش إلى الضوء. هو مساحة اختبار للأفكار الجريئة، وملاذ للحنين، ومنصة توازن بين الورقي والرقمي، دون أن يفقد الكتاب هيبته أو سحره القديم.

معرض الكتاب هو الدليل الأوضح على أن مصر ما زالت تقرأ، وما زالت قادرة على جمع العرب حول طاولة الثقافة، لا الاختلاف. هو رسالة ناعمة تقول إن الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من اقتصاد أو سلاح، بل بما تنتجه من فكر، وما تحافظ عليه من وعي.

في هذا العرس الثقافي، لا نغادر المكان محمّلين بالكتب فقط، بل بأسئلة جديدة، وأحلام مؤجلة، وإيمان متجدد بأن الحبر، مهما بدا هشًا، هو أحد أكثر الأسلحة صلابة في معركة الوعي وبناء المستقبل.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology