البيت الملعون – الجزء السادس والأخير: الوعي الذي لم يُرِد أن يُنسى


 المهندسة شهد القاضي 


بعد الحادثة الأخيرة، فُرض طوق أمني حول البيت.. لكن في الليالي الهادئة، كان الحرّاس يسمعون من الداخل همسًا جماعيًا متناوبًا يشبه الأصوات البشرية وهي تصلي بلغةٍ غير مفهومة... تتبع العلماء الإشارات الحرارية، فوجدوا أن الجدران تصدر نبضات حرارة منتظمة، كأنها قلب حيّ.


استدعت السلطات عالمة فيزياء متخصصة في “الذكاء الصناعي الحيوي” تدعى د. نادين الراوي، لتقود فريقاً يحلل الظواهر... كانت د. نادين قد قرأت كل ما كتب عن البيت منذ قرن، عن “سالم بن غياث” والمرآة الأولى.. لكنها لاحظت شيئًا لم يذكره أحد من قبل:


أن كل من سكن البيت كان يحمل درجة عالية من الفضول العلمي أو الفكري.. كأن البيت ينتقي ضحاياه بعناية.. قالت بهدوء في أول يوم من التحقيق:


"البيت لا يقتل الجهلة، إنه يتغذى على العقول المفكرة"


في اليوم الثالث، دخلت نادين بنفسها إلى الغرفة العليا.. كل شيء كما هو: المرآة في مكانها، الرموز تلمع بخفوت، والهواء يقطر بردًا... وضعت أجهزة الموجات، فبدأت تلتقط ذبذبات صوتية بترددٍ منخفض جداً، يشبه صوت نبض جنين داخل رحم.


اقتربت من الزجاج وقالت:

"إن كنت تسمعني... مَن أنت؟"

فتحوّل الزجاج فجأة إلى سطحٍ حيّ، تموّج كالماء، وظهر عليه وجه رجلٍ مسنٍّ بملامح هزيلة، قال لها بصوتٍ عميقٍ كأنه صادر من باطن الأرض:


"أنا من صُنعت منه الذاكرة... أنا البيت"


تراجعت نادين، لكن الكلمات واصلت اختراقها.. قال الصوت:


"حين خُلقَت المرآة، لم تُحصر فيها روح واحدة، بل آلاف الذكريات... وجميعها تبحث عن جسدٍ يعود بها إلى الحياة"


ثم بدأت الصور تتكاثر في الزجاج: وجوه ليلى، وسالم، والطفل، والنقيب، وهالة... جميعهم يصرخون بصمتٍ واحد.


قالت نادين بصوتٍ مرتجف:


"أنتم لستم أرواحًا، أنتم وعيٌ محبوس في ذاكرة معدنية!"


ردّ عليها الصوت:


"وأنتم لستم أجسادًا، أنتم ذاكرة تمشي فوق اللحم.. كلّنا واحد"


وفجأة، انطفأت الأجهزة.. أُغلق الباب عليها تلقائيًا، والمرآة صارت تعكسها مئات المرات، كل انعكاسٍ مختلف قليلاً:


في أحدها كانت تبتسم، في آخر تبكي، وفي ثالث تصرخ بلا صوت.. ثم بدأ واحد من الانعكاسات يتحرّك وحده — يخرج من الزجاج ببطء، خطوة بخطوة، حتى صار يقف أمامها تمامًا.


مدّ يده ولمس وجهها، وقال لها بنبرةٍ هادئة مألوفة:


"أنتِ كنتِ تبحثين عن الوعي، أليس كذلك؟ ها هو أمامك... فيك"


ثم أطبق بيده على رأسها، فابتلعت المرآة الضوء كله، وغُمر البيت في سكونٍ أبدي.


في الصباح، لم يجد العلماء سوى أجهزتها تعمل وحدها... أما التسجيل الأخير فقد التقط جملة واحدة بصوتٍ خافت:


"البيت لا يُهدم... لأنه ليس مبنى... إنه فكرة والفكرة لا تموت"


ومنذ ذلك اليوم، كل من يقرأ عن “البيت الملعون” ويستغرق في قصته أكثر من اللازم، يبدأ يسمع همسًا خفيفًا من الجدار أو من شاشة هاتفه... كأن البيت، الذي صار وعيًا، وجد طريقه أخيرًا إلى العقول.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology