بقلم بلعربي خالد_هديل الهضاب
المشهد الاول
اعترف
نعم ....
اعترف
أنا موظف.
لا بطل.
ولا ضحية.
أنا شاهد…
والشاهد أحيانًا أخطر من المجرم.
أدخل المؤسسة كل صباح
كما يدخل المرء إلى المارس
لا ليتعلم
بل كيف يكذب باحترام.
في صباح جليد الباكر
أول من أراه هو الحارس.
يقف عند الباب كأنه قابض الارواح
يفتش الحقائب
ولا يفتش الضمائر.
يعرف من يدخل قبل أن يصل،
ومن يخرج قبل أن يغادر.
يبتسم لأصحاب المشاريع،
يغمز لهم،
ويمد يده
ليس للسلام
بل لي يثبت حسن النية.
الحارس لا يسرق…
هو فقط
ينظم السرقة.
أمرّ،
وأعرف أنني إن لم أدفع اليوم
سأُنسى غدًا.
في الداخل،
تمر السكرتيرة.
تمشي بخفة
لكنها تحمل أثقل الملفات.
لا تكتب كل شيء،
ولا تمزق شيئًا دون مقابل.
هي ذاكرة المدير
وممحاته.
أصحاب المشاريع
لا يصعدون إلى المكتب
إلا بعد أن يمروا من ابتسامتها.
هي لا تطلب مالًا،
تطلب خدمة…
والخدمة هنا
عملة أغلى من النقود.
ثم الموظفين.
نحن كثيرون…
لكننا نسخة واحدة
مع فروقات بسيطة في الجرأة.
هذا يزوّر توقيعًا
لأن التوقيع
لا يملكه صاحبه الحقيقي.
ذاك يأخذ عمولة
لأن راتبه
لا يكفي ضميره.
وهذاك…
الموظف البسيط
الذي لا يملك شيئًا
يسرق الأوراق البيضاء.
نعم، أوراق بيضاء.
يبيعها لدكان الحي.
يقول:
“أنا لا أضر أحدًا”
ولا يدري
أن الفساد يبدأ
حين نسرق
ما لم يُكتب بعد.
كلنا
نأكل من نفس المائدة
لكن بأحجام مختلفة.
وأنا؟
أنا أرى…
وأصمت.
والصمت
مشاركة مؤجلة.
في الطابق الأعلى
يجلس النائب.
لا يعمل كثيرًا،
لكنه يحتفل كثيرًا.
ينظم الولائم،
يدعو المسؤولين،
يرفع الكؤوس
ويرفع معها التقارير.
الترقية لا تُكتب بالحبر
بل بالصور الجماعية
والضحك العالي.
الصفقات تمر
باسم المصلحة العامة
وتخرج
باسم أشخاص محددين.
النائب لا يسرق مباشرة،
هو فقط
يهيئ الجو
للسرقة الكبرى.
ثم المدير.
رجل أنيق،
يتكلم عن النزاهة
كما يتكلم امام المسجد عن الجنة.
يعرف كل شيء…
ولا يرى شيئًا.
يوقّع
لأنه وُقّع له.
يسكت
لأن الصمت
جزء من المنصب.
يقول لنا:
“حافظوا على المؤسسة”
ولا يقول:
“ارحموا الناس”.
المدير
ليس رأس الفساد…
هو سقفه.
أما أنا…
فأتنقل بينهم
كأنني فاصلة
في جملة طويلة.
أعرف الحقيقة
ولا أملكها احلم ان اكون نقطة.
أخاف أن أتكلم
فأُطرد.
وأخاف أن أصمت
فأتعفن.
يوجد موظف واحد
ما زال نزيهًا.
أراه أحيانًا
يركض بين المكاتب
يحمل الملفات
كمن يحمل جثمان المستقبل
الكل يضحك عليه.
يقولون:
“لن تعيش طويلًا هنا”.
وأنا أخاف عليه
لأن النزاهة
في هذه المؤسسة
مرض بلا علاج.
في النهاية،
أفهم شيئًا واحدًا: اعترف ان
الفساد ليس شخصًا،
هو الكل في
شبكة.
وكلنا
فيها بلا وجه.
أنا لست بريئًا.
لأنني ما زلت هنا.
[يصمت، ثم يرفع رأسه]
هذه ليست حكاية مؤسسة.
هذه حكاية
كل مكان
يُدار بالأقنعة.
