بقلم: أسيد الحوتري
شكلت الموسيقى، بوصفها نظاما جماليا وبنيويا، أحد المسارات المركزية التي استلهمها السرد الروائي الحديث لتجاوز القوالب الحكائية التقليدية، حين لم تعد الموسيقى موضوعا داخل النص، بل تحولت إلى منطق تنظيمي يضبط الإيقاع، ويعيد توزيع الأصوات، ويصوغ العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين التجربة الذاتية والتاريخ. يُعد الكاتب الفرنسي (رومان رولان) من أوائل من أسسوا لهذا الاتجاه في روايته الشهيرة "جان كريستوف" (1904–191)، حيث لم يكتب سيرة موسيقيّ فحسب، بل شيد نصا يتقدم وفق منطق السيمفونية: حركات متتابعة، ثيمات تعود وتتطور، تصاعدات وانفراجات، وصراع دائم بين صوت فردي مبدع وأوركسترا اجتماعية وتاريخية تحيط به. اعتمد (رولان) ما يمكن تسميته بالسرد السيمفوني، الذي تتجاور فيه الأصوات والطبقات الشعورية دون خضوع صارم للحبكة السردية الكلاسيكية، بل لمنطق التطور الموسيقي ذاته.
في السياق العربي المعاصر، واصل الكاتب الفلسطيني ربعي المدهون هذا المسار الجمالي في روايته "كونشيرتو الهولوكوست والنكبة" (2019)، ولكن عبر تصور موسيقي مختلف، يقوم على بنية (الكونشيرتو). يشتغل المدهون على مستويين أساسيين: حوار (الأوركسترا) و(السولو)، حيث تتجاور الأصوات الفردية مع الصوت التاريخي الجمعي في علاقة شدّ وجذب، و(الكاونتربوينت): التضاد اللحني، الذي يسمح بسرد متواز لحدثي الهولوكوست والنكبة، بوصفهما خطين لحنيين مستقلين، متعارضين سياسيا وأخلاقيا، لكنهما متجاوران سرديا داخل فضاء واحد، دون دمج أو اختزال، لحنين يمكن الاستماع لكل واحد منهما على حدة دون أن يلغي أحدهما الآخر. بهذا، تتحول الرواية إلى بناء (بوليفوني) يتيح تعدد الأصوات وتزامنها، على نحو يحاكي العمل الموسيقي المركب.
ضمن هذا الأفق العابر للفنون والثقافات، تأتي مجموعة "تقاسيم الفلسطيني "للكاتبة الأردنية الأستاذة الدكتورة سناء الشعلان، بنت نعيمة، لتقترح صيغة سردية مغايرة، لا تستلهم (السيمفونية) ولا (الكونشيرتو)، بل تنطلق من التقاسيم العربية بوصفها شكلا موسيقيا ارتجاليا منفردا. تضم المجموعة (174) قصة قصيرة جدا، غالبا ما تقتصر على صفحة أو نصف صفحة، موزعة على سبعة فصول: تقاسيم الوطن، تقاسيم المعتقل، تقاسيم المخيم، تقاسيم الشتات، تقاسيم العرب، تقاسيم العدو، وتقاسيم البعث. وفي هذا السياق، يمكن قراءة المجموعة بوصفها بناء مقاميا، حيث تماثل التقاسيم الموسيقية ارتجالا منضبطا داخل مقام محدد، يعزف فيه العازف جملا لحظية قصيرة تتراوح بين الانطلاق، والتوسع، وبلوغ الذروة، ثم العودة أو الاستقرار، دون إيقاع ثابت في الغالب، مع تركيز على الزخرفة، والميكروتونات، والتحولات المقامية.
تحوّل الشعلان هذه العناصر الموسيقية إلى أدوات سردية، ليغدو كل فصل بمثابة مقام شعوري يوجه ارتجال القصص القصيرة داخله، وتحل القصة محل الجملة اللحنية، ويغدو الصوت الفردي هو المحرّك الأساسي للتجربة. وإذا كان (رولان) قد بنى نصه على صراع العبقرية مع (الأوركسترا)، وكان المدهون قد اشتغل على الحوار و(الكاونتربوينت) بين الأصوات المتعددة، فإن "تقاسيم الفلسطيني" تختار طريق العزف المنفرد: صوت واحد، مقام واحد في كل فصل، وارتجال قصصي يراهن على اللحظة المكثفة والمسار الشعوري، ليقدم نموذجا سرديا يربط بين الأدب والموسيقى من خلال منطق المقام والارتجال، لا من خلال التعدد الصوتي، مؤكدا قدرة السرد الحديث على استيعاب أشكال موسيقية متنوعة وتحويلها إلى بنى دلالية وجمالية.
الارتجال المنفرد في السرد
يتجلى السرد في تقاسيم الفلسطيني بوصفه عزفا منفردا يقوم على صوت واحد مهيمن، حيث يغيب تعدد الاصوات واختلاف وجهات النظر، ولا يفسح المجال لتعدد السراد أو لتقاطع الأصوات داخل النص. ينهض السرد على راو عليم يحتكر الرؤية ويقود المعنى، فيما تتوارى الحوارات ويخفت صوت الأبطال والشخصيات، فلا نكاد نسمع أسئلتهم أو شكواهم مباشرة، بل تصلنا عبر هذا الصوت الواحد. وكما تخلو التقاسيم الموسيقية من الجوقة، تخلو تقاسيم الفلسطيني من جوقة سردية، ليبقى صوت الكاتبة هو الصوت المنفرد، صوتا واضح النبرة، يدين المحتل بلا مواربة، وينحاز الى المقاوم بوصفه جوهر الحكاية ومركزها الأخلاقي.
كما أنه لا توجد مقدمات مطولة أو بناء كلاسيكي للأحداث، بل تنطلق القصة فجأة، وتصل إلى ذروتها، ثم تنتهي بشكل مستقل، مما يمنح القارئ إحساسا بالارتجال الحر داخل إطار محدد. هذا يشبه العازف الذي يؤدي جملة لحظية ضمن مقام موسيقي، متحكما في اختيار لحنه، لكنه ملتزم بالهوية العامة للمقام.
المقام كإطار للانضباط
على الرغم من الحرية الظاهرية في كل قصة، يظهر الانضباط من خلال المقام في التقاسيم والفصل في المجموعة القصصية، وهو يحدد موضوع القصص ونغمتها الشعورية. فمثلا، يركز مقام "تقاسيم الوطن" على القتل، وسرقة البيت والممتلكات والأرض والعرض، والمقاومة والمعاناة في الأراضي الفلسطينية، بينما "تقاسيم المعتقل" يسلّط الضوء على السجون، الاعتقال، التعذيب، الإضراب عن الطعام. هذا الإطار يمنح الارتجال الحر اتساقا دلاليا، تماما كما يحافظ المقام الموسيقي على وحدة الجمل اللحنية، رغم الزخارف والتحولات.
الزخارف والميكروتونات: الفانتازيا والتفاصيل الدقيقة
في التقاسيم الموسيقية، تضيف الزخارف والميكروتونات طبقات دقيقة للنغم، تؤثر في الإحساس الشعوري للمستمع. في النص، يقابل هذا التركيز على الفانتازيا والواقعية السحرية والتفاصيل الرمزية الدقيقة: الأشجار التي تقاوم الاحتلال، البحر الذي يبتلع المهجرين، الأموات الذين يهاجمون العدو، أو المرأة التي تنذر أولادها للمقاومة. هذه العناصر تمنح كل قصة طبقة جمالية وشعورية، وتخلق شعورا دقيقا بالمسار داخل المقام الموسيقي والفصل في المجموعة.
التحولات المقامية: التنقل بين الموضوعات
التحولات المقامية في الموسيقى تتيح للعازف الانتقال بين درجات قريبة أو بعيدة، مع الحفاظ على وحدة المقام. بالمقابل، في السرد الفلسطيني، نجد تنقلا بين الموضوعات والمشاهد المختلفة داخل كل فصل، مع الحفاظ على الانسجام الدلالي. ففي فصل "تقاسيم المخيم"، على سبيل المثال، تنتقل القصص من التجويع والتعطيش، إلى الصراعات الداخلية، ثم الهروب إلى الشتات، دون الخروج عن موضوع الشتات، ودون فقدان وحدة المقام الشعوري.
إظهار جمال المقام وإيصال الحالة الشعورية
كما يُظهر كل جزء من التقاسيم الموسيقية جمال المقام ويخلق حالة شعورية لدى المستمع، كل قصة قصيرة في "تقاسيم الفلسطيني" تعمل على إظهار جمال الفكرة والمقام الموضوعي، ونقل لحظة شعورية مركزة للقارئ: ألم، حزن، مقاومة، أمل أو دهشة. تراكم هذه اللحظات القصيرة داخل الفصل الواحد يشكل مسارا شعوريا متدرجا يشبه تدرج الجمل اللحنية في المقام من البداية الهادئة إلى الذروة، ثم العودة إلى الاستقرار أو الانطباع المفتوح.
إحساس اللحظة والمسار والشخصية التعبيرية
أخيرا، يمنح النص القارئ شعورا مشابها لما يمنحه العزف المنفرد في التقاسيم: إحساس اللحظة: كل قصة تركز على حدث أو شعور محدد وواضح. إحساس المسار: تراكم القصص ضمن الفصل يخلق مسارا شعوريا أو سرديا تدريجيا. الشخصية التعبيرية للكاتبة: صوت الكاتبة يظهر في اختيار اللحظات، الصور الرمزية، الفانتازيا، والاختلافات الأسلوبية بين القصص، تماما كما يظهر حس العازف الفردي في كل جملة لحنية.
الفصول بوصفها مقامات شعورية
في محاولة لمواءمة المقامات الموسيقية مع الفصول السبعة للمجموعة، يمكن اعتبار كل فصل مقاما شعوريا مستقلا يحدد الجو العام واللحظة الانفعالية للقصص القصيرة التي يحتويها. فـ"تقاسيم الوطن" يرتبط بمقام راست، الذي يعكس الصمود والقوة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، بينما يعكس مقام حجاز في "تقاسيم المعتقل" التوتر والألم والمعاناة الناتجة عن السجون والتعذيب. ينسجم مقام صبا مع "تقاسيم المخيم" لما يحمله من شوق وحنين وألم يومي، فيما يطابق مقام بيات شعور الحزن العميق والاغتراب في "تقاسيم الشتات". أما مقام نهاوند فيرتبط بـ"تقاسيم العرب"، لما يعكسه من تأمل وحزن مع وضوح في الطرح تجاه الخيانات العربية والتقصير تجاه الفلسطيني. يعكس مقام كرد تعقيدات النفس البشرية وتحولات العدو في "تقاسيم العدو"، بينما يرمز مقام عجم في "تقاسيم البعث" إلى الفرح والأمل والبناء وإعادة التوطين. بهذا الربط، يتحول كل فصل من فصول المجموعة القصصية إلى إطار مقامي شعوري، تعمل القصص القصيرة داخله كجمل موسيقية مستقلة، تضيف زخارف، تدرجات شعورية، ولحظات انفعال مماثلة للزخارف والميكروتونات في التقاسيم الموسيقية.
.
مخاطرة الارتجال: بين التوقع والتجربة
الارتجال، سواء في الموسيقى أو السرد، يحمل إمكانية التألق والإبداع، لكنه يأتي أيضا مع مخاطره. في التقاسيم الموسيقية، قد لا يرقى العازف دائما إلى سقف توقع المستمع الذي اعتاد على ألحان واضحة، أو مقاطع متناغمة ضمن فرقة أو جوقة، حيث يكون النمط الإيقاعي واللحن متوقعا نسبيا. في هذه الحالة، الحرية المنفردة والابتعاد عن النمطية قد تترك المستمع في حيرة أو شعور بعدم الاكتمال اللحني.
في "تقاسيم الفلسطيني"، يظهر هذا الجانب من الارتجال السردي بوضوح. القصص القصيرة جدا، الارتجالية الشكل، وتنوع الأساليب بين الواقعي، الفانتازيا، والسخرية، قد لا تحقق متعة فورية أو دهشة متوقعة لدى جميع القراء. كثير من القصص تشبه لوحة لحظية، أو مشهدية، أو خبر أدبي أكثر من كونها سردا تقليديا متكاملا، وهذا يمكن أن يترك القارئ في شعور بعدم الاكتمال أو الإشباع، تماما كما قد يشعر مستمع التقاسيم بحيرة إذا توقع ألحانا متتابعة ومتوافقة.
مع ذلك، هذه المخاطرة هي جزء من العمق التجريبي للعمل؛ فهي تمنح النص القدرة على إحداث تجربة لحظية مركزة وفريدة لكل قصة، تماما كما يخلق العازف المنفرد في التقاسيم لحظة موسيقية خاصة، تختلف في كل أداء، وتترك أثرا شعوريا مباشرا على المتلقي.
وهكذا، يمكن قراءة "تقاسيم الفلسطيني" على أنها تجربة سردية مستوحاة من التقاسيم الموسيقية : ارتجال قصصي منضبط، الفصل كالمقام، القصص القصيرة كالجمل الحنية، الزخارف والفانتازيا كالتفاصيل الموسيقية الدقيقة، والتحولات الموضوعية كالتحولات المقامية. المجموعة تقدم سردا تجريبيا يربط بين الصوت الفردي، الانضباط البنيوي، واللحظة الشعورية، مما يجعلها نموذجا فريدا للاقتران بين العزف المنفرد والسرد القصصي الحديث.


