الحمار الذهبي

 



الكاتب بلعربي خالد 


كنتُ إنسانًا… أو هكذا كنتُ أظن.

لكن جرعة صغيرة من الفضول، ومرهم سحري واحد،

حوّلني إلى حمار… نعم، حمار رسمي مع شهادة معتمدة من وزارة الواقع!

(يتوقف لحظة، ينظر للجمهور بجدية ساخرة)

صدقوني، لم أشعر بالفرق الكبير.

(يضحك ضحكة هستيرية، ثم يهدأ فجأة)

لكن الحمار علّمني شيئًا خطيرًا:

أن الأقنعة البشرية أثقل من أي سرج.

أن النفاق أذكى من أي ساحر.

وأنني… حتى بعد أن عدت إنسانًا…

ما زلتُ أسمع نهيقًا داخليًا كلما نظرت في المرآة.

(يتقدم خطوة نحو الجمهور، يهمس)

الحمار لم يكن أنا فقط…

البداية يا سادة

قالوا لي: ضع المرهم على جسدك… وستصبح طائرًا حرًا، تحلق فوق القيود.

(يتوقف، يبتسم بسخرية)

لكن يبدو أن التعليمات كانت مكتوبة بخط صغير… أو ربما لم أقرأ الشروط والأحكام جيدًا.

(يمسح المرهم على ذراعه، يتلوى، ثم يضع يديه على رأسه كأذنين طويلتين)

ها أنا ذا… لم أصبح طائرًا، بل حمارًا رسميًا!

أجنحة الحرية تحولت إلى حوافر ثقيلة… وصوتي الجميل صار نهيقًا يوقظ الجيران.

 

(يضحك ، ثم يهدأ فجأة)

لكن لا تضحكوا كثيرًا… أنتم أيضًا  ربما جربتم هذا المرهم او البعض منكم .

كل مرة صدقتم إعلانًا كاذبًا… كنتم تضعون المر.

وكل مرة حلمتم بالترقية، وانتهى بكم الأمر بحمل ملفات فوق ظهوركم… كنتم تضعون هم.

كل مرة أحببتم حبًا زائفًا، وركضتم وراء جزرة مربوطة بخيط… كنتم تضعون المرهم.

 (يتقدم خطوة نحو الجمهور، يهمس)

الفرق الوحيد… أنني أملك أذنين طويلتين أُظهرهما بلا خجل.

أما أنتم… فتخفون أذنيكم تحت قبعات أنيقة نعم البعض او الكل  ربما.

منذ أن أصبحت حمارًا… اكتشفت أن العالم يحبّني أكثر.

ليس حبًا رومانسيًا… بل حب الاستغلال!

كل واحد يريد أن يضع فوق ظهري شيئًا:

أكياس القمح، صناديق الخمر، أسرارهم القذرة، وحتى أحلامهم الفاشلة.

(يتوقف، يضحك بسخرية)

أتعرفون الفرق بين الإنسان والحمار؟

الإنسان يذهب إلى العمل صباحًا… والحمار أيضًا.

الإنسان يُهان من مديره… والحمار يُهان من صاحبه.

الإنسان يُصفّق للخطابات الفارغة… والحمار يُصفّق بذيله.

باختصار… نحن زملاء في العمل!

(يتظاهر أنه يُضرب بالسوط، ثم يصرخ فجأة)

آه! هذا ليس سوطًا… هذا هو صوت المجتمع وهو يقول:

"اصبر، تحمّل، لا تشتكِ… فأنت مجرد حمار."

لكنني كنت أضحك في داخلي… لأنني رأيت الحقيقة:

كل واحد منهم يخفي حمارًا صغيرًا في قلبه،

لكنهم يضعون عليه ربطة عنق ويقولون: نحن بشر محترمون.

آه… الحب!

ذلك السحر الذي يجعل الإنسان يظن نفسه طائرًا… بينما هو في الحقيقة حمار مربوط بحبل.

(يتظاهر أنه يرى مشهدًا أمامه)

ها هي السيدة العاشقة الخائنة… تهمس بكلمات رقيقة في أذن حبيبها.

لكنني، أنا الحمار، أسمع الحقيقة:

"أحبك… حتى يكتشف زوجي."

"أعشقك… حتى ينتهي رصيدي البنكي."

"أحتاجك… حتى أجد حمارًا آخر يحمل عني الأثقال."

(يضحك ضحكة ساخرة، ثم ينهق فجأة)

الحب عند البشر مثل الجزرة المربوطة بخيط أمام الحمار:

تركض، تركض، تركض… ولا تصل أبدًا.

لكن الفرق أن الحمار يعرف أنها خدعة…

أما الإنسان، فيكتب قصائد، ويؤلف أغاني، ويقسم أن الجزرة حقيقية!

(يتوقف، ينظر للجمهور بجدية)

الخيانة ليست في الفعل… بل في الوهم.

كل واحد يخون نفسه أولًا… حين يصدّق أن الحب بلا مصالح.

قالوا لي: لا خلاص إلا عبر الطقوس السحرية قد تكون اوهام !

أدخل الخلوة، أشعل البخور، ردد الكلمات الغامضة، وادفع الرسوم الشهرية لساحر…

وستعود إنسانًا من جديد.

 

(يتوقف، يضحك بسخرية)

حتى الساحر يحتاج مااريد… صندوق تبرعات.

الساحر قال لي: "سأعيدك إنسانًا… لكن بشرط أن تكون مطيعًا، صامتًا، وتصفق في كل خطبة."

فأجبتها: "يا سيدتي، كنت حمارًا بالفعل… فما الجديد؟"

(يتظاهر أنه يشارك في طقس غريب، يرقص بحركات مبالغ فيها)

طقوس، طقوس، طقوس…

كلها أقنعة لتغطية الفراغ.

البخور لا يغيّر القلب، والتراتيل لا تمحو النفاق.

لكن البشر يحبون الاوهام… حتى لو كانت على حساب أرواحهم.

(ينظر للجمهور بجدية)

الساحر لم يعدني إنسانًا… بل أعادني ممثلًا في مسرحية الواقع.

والحقيقة؟ أنتم أيضًا  في الواقع ممثلون… تؤدون ادواركم اليومية:

تبتسمون في الاجتماعات، ترفعون الشعارات، وتظنون أنكم أحرار.

لكنكم… مجرد     بارعون في النفاق.

ها أنا ذا… عدت إنسانًا.

لكن أي إنسان؟

إنسان يحمل في داخله حمارًا لا يموت.

إنسان ينهق كلما حاول أن يتكلم بصدق.

إنسان يركض وراء جزرة وهمية… حتى وهو يرتدي ربطة عنق.

(يتوقف، يضحك ضحكة هستيرية طويلة، ثم يهدأ فجأة)

ظننت أن العودة ستمنحني الحرية…

لكنني اكتشفت أن الحرية مجرد كلمة تُباع في الأسواق.

ظننت أن الاوهام ستطهّرني…

لكنها جعلتني ممثلًا في الواقع أكبر.

ظننت أن الحب سيخلّصني…

لكن الحب كان مجرد عقد عمل مؤقت.

(يتقدم خطوة نحو الجمهور، يهمس)

الحقيقة يا سيدي 

الحمار لم يكن أنا فقط…

أنا الحمار الذهبي

(يرفع يديه إلى السماء، ثم ينهق بصوت عالٍ)

نهاية

يسدال الستار.

 


الفكرة مستوحات من رواية  المسوخ (الجحش الذهبي)

لوشيوس أبوليوس كاتب و فيلسوف و بلاغي نوميدي ولد سنة 125، من أبوين ينتميان إلى عائلة مرموقة و ثرية في مدينة مداور، التي يطلق عليها اليوم اسم مداوروش في ولاية سوق أهراس بالجزائر. درس البلاغة في قرطاجة و الفلسفة في أثينا و أولى الطقوس و الشعائر الدينية اهتماما كبيرا.

و لنبوغه المبكر و مطالعته الكثيرة و تعدد مواهبه الفضل في الإلمام بالثقافة الغربية و أعمال الكتاب الإغريق و اللاتينيين. توفى سنة 180 م .

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology