بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في زمنٍ تتشابك فيه الآراء كما تتشابك أمواج البحر الهائج، وتعلو فيه الأصوات حتى تكاد تطغى على الحقائق، نحتاج أن نعود إلى ينابيع الحكمة الأولى، إلى ذلك النور الصافي الذي أضاء دروب العلماء، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المدرسة التي لم تُنشئ فقهاً فحسب، بل أسست أخلاقاً راقية للاختلاف، ورسمت منهجاً إنسانياً عميقاً في النصح والحوار.
لم يكن الشافعي فقيه أحكامٍ فقط، بل كان فقيه قلوب، يعرف أن الكلمة قد تبني إنساناً وقد تهدمه، وأن الخطأ عارضٌ على البشر، أما الكرامة فثابتة فيهم ما داموا يحملون قبس الإيمان. ومن هنا جاءت درره التي صارت قواعد ذهبية في الاختلاف:
"اكره الخطأ دائماً، ولكن لا تكره المخطئ"،
"وأبغض بكل قلبك المعصية، لكن سامح وارحم العاصي"،
"انتقد القول، لكن احترم القائل"،
"فإن مهمتنا أن نقضي على المرض، لا على المرضى".
هذه ليست عباراتٍ عابرة، بل فلسفة أخلاقية متكاملة، تنطلق من فهم عميق لطبيعة الإنسان، ومن إدراك أن البشر بين طاعةٍ ومعصية، وبين صوابٍ وزلل، وأن العدالة تقتضي التفريق بين الفعل وصاحبه، وبين العيب والإنسان.
أبغض المعصية… لا العاصي
القاعدة السادسة في منهج الاختلاف تؤكد: "أبغض بكل قلبك المعصية، لكن سامح وارحم العاصي". إنها قاعدة تنزع جذور القسوة من القلب، وتزرع فيه شجرة الرحمة. فالإنسان ليس خطأه، كما أن الثوب الأبيض لا يتحول سواداً كاملاً ببقعة عابرة.
وقد ورد عن عبد الله بن مسعود أنه سُئل: "أتكره العاصي؟" فقال: "لا، وإنما أكره معصيته". ما أعمق هذا الفقه! فالعاصي قد يتوب، والمذنب قد ينقلب ولياً، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن.
إن الحب والبغض في ميزان الإيمان يتوجهان إلى الأفعال لا إلى الذوات؛ نحب الطاعة حيث كانت، ونبغض المعصية حيث ظهرت. ولهذا جاء في الأثر أن من تمام الإيمان أن تحب لله وأن تكره لله. لكن هذا الكره ليس حقداً على الأشخاص، بل رفضاً للانحراف، وحرصاً على النجاة.
ولما أُتي برجل يشرب الخمر وقد جُلد مراراً، فقال أحدهم: "لعنه الله"، نهاهم النبي ﷺ وقال إنه رجل يحب الله ورسوله. في هذا الموقف النبوي تتجلى أسمى معاني العدل والرحمة؛ فالمعصية لا تلغي أصل المحبة والإيمان، والزلة لا تمحو جوهر الإنسان.
إننا حين نخلط بين الفعل والفاعل، نغلق باب الإصلاح، ونحوّل الخطأ إلى هوية، ونحوّل العثرة إلى حكمٍ أبدي. أما حين نفصل بينهما، فإننا نفتح نافذة الأمل، ونمد جسور العودة، ونُبقي القلب حياً نابضاً بالرحمة.
انتقد القول… واحترم القائل
ثم تأتي الدرة الشافعية الأخرى: "انتقد القول، لكن احترم القائل". هنا يبلغ الأدب قمته، ويرتقي الحوار إلى مصاف الرسالة. فالنقد في منهج الشافعي ليس سلاحاً للطعن، بل مشرطاً للجراحة؛ يزيل الورم دون أن يقتل الجسد.
إن العالم في نظر الشافعي كالطبيب. والطبيب لا يشمت بالمريض، ولا يفرح بتفاقم الداء، بل يسعى جاهداً لشفائه. كذلك العالم والداعية والمصلح، مهمتهم أن يقضوا على المرض لا على المرضى. كم هو بليغ هذا التشبيه! فالخطأ مرض، والشبهة عِلّة، والجهل داء، أما الإنسان فميدان العلاج لا هدف الإبادة.
في ساحات النقاش اليوم، كثيرون يهاجمون الأشخاص بدل الأفكار، ويهدمون الجسور بدل أن يبنوا الحجج. يُسقطون المخالف من اعتبارهم بدل أن يناقشوا قوله، ويظنون أن الانتصار في الجدل هو الغاية، بينما الغاية الحقيقية هي انتصار الحق.
كان الشافعي يقول: "ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق على لسانه". أي قلبٍ هذا؟ إنه قلب لا يسعى إلى غلبة، بل إلى هداية؛ لا يريد أن يُقال إنه انتصر، بل أن يُقال إن الحق بان.
بين القسوة والرحمة… ميزان العدل
إن منهج الشافعي يضعنا أمام معادلة دقيقة: قوة في الموقف، ورحمة في المعاملة. نرفض الخطأ بلا تردد، لكننا لا نُهين صاحبه. نبغض المعصية بصدق، لكننا لا نغلق باب التوبة. ننتقد الفكرة بوضوح، لكننا لا نسحق صاحبها.
هو ميزانٌ دقيق كميزان الذهب؛ إن مال قليلاً نحو القسوة تحوّل إلى ظلم، وإن مال نحو التهاون ضاع الحق. أما إذا استقام، فقد جمع بين الحزم والرحمة، بين الصلابة واللين، بين العدل والإحسان.
إن المجتمع الذي يتبنى هذا المنهج مجتمعٌ يُصلح ولا يُقصي، يُقوّم ولا يُحطّم، يُنير ولا يُحرق. مجتمع يرى في المخطئ إنساناً قابلاً للتغيير، وفي العاصي عبداً قد يسبق غيره بالتوبة، وفي المخالف شريكاً في البحث عن الحقيقة.
رسالة إلى القلوب قبل العقول
يا من تحمل همّ الإصلاح، تذكّر أن الكلمة أمانة، وأن القلب الذي أمامك ليس ساحة معركة بل حديقة تنتظر رعاية. ازرع فيها الحكمة، واسقها بالرفق، وأزل منها شوك الخطأ دون أن تقتلع جذور الإنسان.
اكره الخطأ، نعم… لكن لا تكره المخطئ.
أبغض المعصية، نعم… لكن ارحم العاصي.
انتقد القول، نعم… لكن احترم القائل.
فمهمتنا كما قال الشافعي أن نقضي على المرض، لا على المرضى. وإذا فهمنا هذه الحقيقة، صار اختلافنا رحمة، ونقدنا بناءً، ونصحنا نوراً، وصارت قلوبنا مرايا صافية تعكس عدل الإسلام وجماله.
وهكذا يبقى منهج الشافعي مدرسةً في الفقه والأخلاق، في الحجة والرحمة، في الصواب والإنصاف… مدرسةً تعلمنا أن الإنسان أكبر من خطئه، وأن الرحمة أعمق من الزلة، وأن الحق لا يحتاج إلى قسوة كي ينتصر، بل إلى قلبٍ نقي ولسانٍ عادل.
