ا
الكاتب بلعربي خالد
(ظلام.
صوت شخير خافت.
فجأة شهقة حادة.)
الذئب:
لا… لا توقّعوا القرار!
(ينهض مفزوعًا، يلهث)
(ينظر حوله)
آه.
غرفة.
جدار.
لا تعميم.
إذًا كان حلمًا.
(يصمت قليلًا)
لكنه حلم طويل…
طويل كاجتماعٍ بلا جدول أعمال.
(يجلس على حافة الضوء)
رأيتُ نفسي موظفًا في قسم التسيير العام.
وظيفتي: أخصائي ميداني.
خبرتي: عشر سنوات في الصيد.
قيمتي في الإدارة: صفر مع مرتبة الطاعة.
في الحلم،
استدعونا لاجتماع عاجل غير مستعجل.
حضر الجميع.
الكراسي أكثر من الحضور.
والقرارات أكثر من اوراق الفهم.
دخل المدير العام للرؤية المستقبلية.
(يقلّد نبرة فخمة فارغة)
“نحن هنا لنحتفل بنجاحاتنا،
رغم التحديات التي لا وجود لها.”
صفّقنا.
لا أحد يعرف لماذا…
لكن التصفيق عادة مؤسسية.
ثم وقف
المدير التنفيذي للتسيير .
(يعدّل صوته، يجعله أجش واثقًا)
“من اليوم،
لا صيد دون استمارة.
ولا عواء دون تصريح.
وسيتم إنشاء لجنة
لدراسة أسباب الجوع.”
رفعتُ يدي .
قلت:
“سيدي، الجوع سببه أننا لم نعد نصطاد.”
كان الجواب ماذا؟”
(ينظر للجمهور)
دوّنوا ملاحظتي…
تحت بند:
“نزعة تشاؤمية.”
بعدها تحدث
مستشار القيم والانضباط المؤسسي.
(صوت وعظي ممل)
“أيها الزملاء،
المشكلة ليست في الجوع،
المشكلة في ثقافة الأنياب.
يجب أن ننتقل من عقلية الافتراس
إلى عقلية الجزرة.”
(يصمت، يبتسم )
وزّعوا علينا منشورًا بعنوان:
“معًا نحو غابة أكثر امان.”
في الحلم،
كلما فشلنا في الصيد،
أصدروا تقريرًا يؤكد أننا
حققنا تقدمًا ملموسًا
في مجال النوايا الحسنة.
كلما نقص الطعام،
زاد عدد اللجان.
كلما سأل ذئبٌ سؤالًا،
نُقل إلى قسم الأرشيف.
(يقترب من الجمهور)
الأغرب…
أنني بدأت أعتاد الأمر.
هززت رأسي في الاجتماعات.
كتبت تقارير عن تحسين الأداء.
حضرت دورة تدريبية بعنوان:
“كيف تبتسم وأنت جائع.”
وفي نهاية الشهر،
حصلت على شهادة تقدير
للالتزام بالصمت.
(يصمت فجأة)
ثم…
حدث شيء مخيف.
استدعاني المدير التنفيذي.
قال لي:
“نحن نرى فيك روحًا قيادية.”
(يرتجف)
قيادية!
“قررنا ترقيتك
إلى منصب
منسق متابعة تنفيذ التوصيات غير المنفذة.”
سألته:
“وماذا أفعل؟”
قال:
“تتابع ما لا يُنفذ،
وتكتب لماذا لم يُنفذ،
ثم تقترح لجنة جديدة.”
(يمرر يده على وجهه)
في تلك اللحظة…
نظرتُ إلى المرآة.
لم أرَ ذئبًا.
رأيتُ موظفًا.
أسنانه ملساء.
صوته منخفض.
وعواءه…
صار إشعارًا داخليًا.
(يتنفس بسرعة)
صرختُ في الاجتماع:
“نحن ذئاب!”
صمتٌ.
ردّ المدير العام:
“هذا توصيف قديم.
نحن الآن اسود مرنة متعددة المهام.”
ضحكوا.
صفقوا.
دوّنوا صرختي
ضمن خطة التطوير.
(يتراجع خطوة، يهمس)
وهنا…
استيقظت.
(ينظر حوله ببطء)
لكن…
(يلمس جيبه)
ما زالت بطاقة الهوية هنا.
وما زال الاجتماع
بعد قليل.
(يبتسم ابتسامة مرهقة)
ربما لم يكن حلمًا.
ربما كان تذكيرًا.
أن أخطر ما في الغابة
ليس الجوع…
بل أن تقنع الذئب
أنه خُلق
لملء الاستمارات لا لصيد.
(يتمدد ببطء على الأرض)
سأنام مجددًا.
إن عاد الحلم…
سأحاول هذه المرة
أن أعضّ أحد القرارات.
وإن لم يعد…
فربما
نحن
من يعيش في الحلم.
(يغمض عينيه)
أرجوكم…
إذا بدأ الاجتماع…
لا توقظوني.
(ظلام تام.)
