قراءة في كتاب «واجم يطهو يوميّاته»للقاص مصطفى شقرة / سوريا الصادرة عن ديوان العرب للنشر والتوزيع / مصر

 



بقلم :قمر عبدالرحمن / فلسطين


بعد أن أنهيت قراءة هذه المجموعة، لم أستغرب من نفاد طبعتها الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب. فـ«واجم يطهو يوميّاته» تجربةٌ جماليةٌ وفكرية تضع القارئ في مواجهة صوته الداخلي.


يستخرج الكاتب الكلمات من رماد القلب؛ حيث يتقاطع الألم بالحلم، ويولد النص من صلاةٍ قصيرة على مذبح الزمن، أو من صرخةٍ مكتومة في صدر مدينةٍ نسيت أبناءها. هذه رؤى تُرى وليست ق.ق.ج فحسب.


كلّ ومضة، نجمةٌ تهوي إلى كفّ القارئ. الجسد هنا أرضٌ تتنازع عليها الريح، والرأس سؤالٌ مكسور. وعندما ينسلخ الجسد عن ذاته، لا نتابع حدثًا بقدر ما نحسّ بغربة الإنسان عن بيته ومرآته.


في مشهدية الطبق الذي يمتلىء بضوء القمر بدل الخبز، مفارقةٌ تكشف مجاعة المعنى. أيُّ وطنٍ يحرسه أبناؤه حتى ينسوا أرواحهم؟ الجوع هنا أخلاقيّ وجوديّ، والمدينة كائن يتنفس من أفواه الفقراء، ويصمت في قصور الأغنياء.


أمّا قصة الوثيقة فتغدو سيفًا باسمًا، والقلم خنجرًا، والتوقيع قبرًا يُفتح بابتسامةٍ رسمية. تتبدّل الدلالات حين تُسلب براءتها؛ حيث الحرف قيد، والنافذة مقصلة، والضوء تهمة. إنها إعادة تعريف للعلاقة بين اللغة والسلطة، حيث يتحول الرمز اللغوي إلى أداة قمع.


ومع ذلك، فالعتمة في المجموعة ليست خاتمة بل بداية. ففي قلب السواد جمرة مقاومة؛ تُصادر الهوية وتبقى الكلمات في الشرايين. يسقط الرأس في الساعة الرملية، لكن السؤال يظل حيًّا بين حبّات الزمن. فالموت المؤجّل هنا ليس نهاية إنما انتظار ولادة جديدة.


أسلوب المجموعة يشبه ينبوعًا جبليًا؛ اقتصاد لغوي عميق الصدى. جملةٌ تمشي على لسانٍ من نار، فكلّ كلمةٍ في موضعها كما تُرصّ حجارة معبدٍ قديم. لا إسهاب ولا زخرف، وهذا يقينٌ من الكاتب شقرة بأن الصمت شقيق البلاغة، وأن أقصر الطرق إلى القلب هو الأكثر صفاءً.


إنّ «واجم يطهو يوميّاته» نصٌّ يهمس ولا يصرخ، يضيء ولا يشتعل. يذكّرنا بأن اللغة مهما ضاقت تتسع للروح، وأن القصة القصيرة جدًّا قد تغدو أرحب من رواية؛ تختصر العمر في لحظة، وتكثّف اللحظة في أبد.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology