الإستثمار مع الله

 

 


لبنى القدسي /اليمن


في إحدى السنوات ، وفي ليلةٍ من ليالي شهر رمضان المبارك

، اكمل زوجي وإبني فطورهما وانطلقا خارج المنزل، بقيتُ وحدي أمام مائدة الإفطار. كان السكون يلفّ المكان، وأنا أتأمل تلك النعم التي جاد بها الخالق علينا، فلهج لساني بالحمد على نِعمه الوافرة، وانهمرت الدموع على وجنتيّ، وشعرتُ بشيءٍ يشدّني إلى الوراء سنواتٍ طوال.

كنتُ حينها غريبةً في المدينة، بعيدةً عن أهلي، أعيش مع زوجي بداياتنا الصعبة لتأسيس حياةٍ جديدة. استأجرنا بيتاً صغيراً قبل رمضان بأيامٍ معدودة، وكانت تلك المرة الأولى التي اجد فيها نفسي بعيدة عن كنف العائلة الكبيرة.

أقسمَ عمُّ زوجي آنذاك ألا نتناول إفطارنا إلا في بيته ومع أسرته، فكانوا يقاسموننا كل شيء،لقمة العيش وضحكة القلب.

 كان بيتهم يغصُّ بالصائمين ويفيضُ بالبركة، ولم يشعروني للحظةٍ واحدةٍ بأنني غريبة. وفي المقابل كان في الجهة الأخرى أحد أقاربنا يصرُّ على استضافتنا، ويغدق علينا بكرَمٍ حاتميٍّ لا شبيه له، فرحتهم جميعاً بطفلنا كانت لا توصف. كنا نعتبر أنفسنا جزءاً أصيلاً من هاتين الأسرتين؛ فما تركونا نشعر بظروفنا المادية الصعبة، ولا بوحشة الغربة التي اعتدنا عليها.

 بل اعتبرنا غصناً اصيلاً من شجرتهم الوارفة. 

توقفت اللقمة في حلقي وغصّت بها عبراتي وأنا أتمتم: "رحمكما الله رحمةً واسعة عمي محمود وعمي ياسين".

لقد رحلا عن عالمنا، لكنّ كرمهما ظلّ حياً في ديارهما.

و عبير جودهما ما زال يفوح في زوايا الذاكرة. 

في تلك اللحظة تذكرتُ أسرتين لعلهما تمُران بذات الظروف التي عشناها في بداياتنا. كنتُ قد ادخرتُ عشرة آلاف ريال من راتبي ، ولم يكن متبقياً معنا سوى مصروف يومين فقط. قررتُ دون تردد أن أحوّل المبلغ لهما، بواقع خمسة آلاف لكل أسرة. نهضتُ مسرعةً، ارتديتُ ملابسي وقصدتُ محل الصرافة .

أرسلتُ المبلغ وأنا أشعر بخفةٍ في روحي لم أعهدها. وما إن وطأت قدماي عتبة الخروج من بوابة الصرافة، حتى رن هاتفي ، رقمٍ مجهول. رديت متوجسة من المتصل ، فكان الصوت "الأستاذة لبنى؟ معكِ حسام.. هناك فعالية لمدة ثلاثة أيام تبدأ بعد غد، وقد تم ترشيحكِ للمشاركة فيها".

في تلك اللحظة، لم تعد قدماي تلامسان الأرض، شعرتُ وكأنّ لي جناحين أطير بهما،بكيتُ من الفرح، وبكيتُ من هول الاستجابة. وواصلتُ طريقي أشكر الله على فضله.

 أخرجتُ عشرة آلاف ونحن في أمسّ الحاجة،فجاءني الردُّ الإلهي مضاعفاً في لمح البصر: ثلاثون ألف ريال!

حينها، تذكرت عندما كنت صغيرة وكانت والدتي تخرج صدقتها بكل سخاء، كنتُ احياناً أعترضُ بدافع حاجتنا لذلك ، فكانت تجيبني بيقين : "مَن لا يُعطي لن يُعطى.. الله هو الرزاق".

علمتني أمي درساً في العطاء بحب وإيثار، فصرتُ أُعطي أحبَّ ما أملك ،لأستقبلَ من الله أجملَ مما أتمنى،

فالعطاء ليس تضحيةً من أجل الآخرين، بل هو استثمارٌ مع الله من أجل أنفسنا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology