بقلم الناقدة منال العبادي
في خضم المشهد الثقافي العربي المعاصر، المليء بالحراك والإنتاج، تبرز إشكالية كبرى تهدد بنية الوعي ذاته، ألا وهي أزمة الخطاب النقدي ،حيث أنه لم يعد النقد مجرد أداة للتحليل والتقييم، بل تحول في كثير من الأحيان إلى ساحة معركة يتبارز فيها الأقران، أو حلبة لتصفية الحسابات تحت غطاء ثقافي وهذا التحول يعكس داءً خطيرًا يتمثل في انزياح النقد عن مساره الجمالي والمعرفي ليصبح أقرب إلى "التنمر" منه إلى التحليل العلمي، وانطلاقًا من هذه الرؤية، يمكننا قراءة هذه الظاهرة قراءة نقدية أعمق، تكشف عن جذورها وتداعياتها، وتؤسس لرؤية أخلاقية للنقد كجسر للإبداع لا كجدار يصدّه.
أولاً: إشكالية الهوية النقدية بين التخصص والهواية ويُلامس هذا الطرح وترًا حساسًا حين يشير إلى "عزوف الناقد المتخصص" مقابل صعود "نقاد الهواة" وهذه الظاهرة ليست مجرد تغيير في العدد، بل هي تحول نوعي في ماهية النقد.
فالناقد المتخصص يستند إلى أدوات منهجية ومعرفية تراكمية تشكلت عبر سنوات من القراءة والتأمل، في حين أن الناقد الهابط (الهواة) يفتقر إلى هذه الأدوات، مما يجعله أسير انطباعاته الذاتية أو ميولاته النفسية وحينها يتحول النقد إلى مجرد "وجاهة اجتماعية" أو تعويض عن عجز إبداعي، فيصبح النص الأدبي "غرضًا" لا يُقرأ ليُفهم، بل ليُصاد عليه، هذه الأزمة تخلق فوضى معرفية، تصبح فيها الأصوات العالية، لا الآراء الرصينة، هي المسموعة.
ثانيًا: مظاهر الخلل في الخطاب النقدي الزائف إذ يمكن تصنيف أمراض النقد في خريطة واضحة للتشوهات التي يعاني منها المشهد الأدبي والنقدي ومنها :
*نقد المجاملات (الشللية) وهو وجه آخر لعملة النقد العدائي، فإذا كان التنمر يمثل القسوة، فإن الشللية تمثل "النفاق الثقافي"و كلاهما ينحرف عن الهدف الجمالي، فالمجاملات تخلق هالات زائفة حول نصوص هشة، فتضلل المتلقي وتسرق الجهد عن الإبداع الحقيقي، وتكرس لثقافة "السمسرة" الأدبية حيث يتبادل الأصدقاء الأدوار في التمجيد.
* النقد العدائي (التنمر) وهذا هو المرض الأكثر فتكًا، عندما يتحول الناقد إلى "جزار" أو "وكيل نيابة"، فإنه لا ينقد النص، بل يُعدم الكاتب، هذا الأسلوب يتجاهل حقيقة أن أي عمل إبداعي هو كيان عضوي، له حسناته وسيئاته، التنمر النقدي يقتل روح المغامرة والإبداع لدى المبدعين، ويدفعهم إلى الانكماش أو التصنع، خوفًا من سطوة "صيادي الأخطاء".
*نقد الإسقاط النفسي وهو من أعمق مظاهر الخلل، وهو أن الناقد أحيانًا لا يرى في النص إلا عيوبه هو، فالناقد الذي يعاني من ركاكة أسلوبية سيبحث عن ركاكة الآخرين، والذي يعاني من فراغ فكري سيهاجم الأفكار و هذا النقد ليس قراءة للنص، بل هو جلسة استشفاء على حساب المبدع، وهو أخطر أنواع النقد لأنه غير واعٍ بدوافعه الحقيقية.
نأتي الآن للعلاقة الجدلية بين النقد والإبداع إذ يتمثل الحل في إعادة الاعتبار للعلاقة الصحية بين النقد والإبداع بصفتهما "وجهان لعملة واحدة"و هذه المقولة تحيلنا إلى تاريخ طويل من التفاعل الخلاق؛ فكبار النقاد كانوا غالبًا مبدعين، وكبار المبدعين كانوا قرّاء ناقدين فاحصين. النقد الحقيقي هو "ابن الإبداع"، أي أنه وليد النص ومكمل له، إنه ليس شرطيًا يقبض على المبدع، بل هو قابلة تساعد على ولادة المعنى، أو مهندس معماري يشرح أسرار البناء دون أن يهدم الجدران. عندما ينفصل النقد عن هذه الرؤية التكاملية، يتحول إلى مجرد آيديولوجيا هدامة.
لنتوجه بكل وعي نحو معايير موضوعية وأخلاقية للناقد النزيه إذ لا يمكن استعادة هيبة النقد إلا ببناء أسس متينة للناقد النزيه
ومنها:
· الموضوعية: وتعني الالتزام بالنص كحاضر لا يُستدعى إلا ليدين أو يُبرأ، إنها "الشعرة" التي تمنع القطيعة بين المبدع والناقد، وتجعل الحوار ممكناً.
· تجاوز الذائقة الشخصية وهي معضلة كبرى، فالنقد لا يمكن أن يكون "أنا أحب" أو "أنا أكره"، بل هو "هذا النص يحقق كذا من الشروط الجمالية، أو يفشل في كذا". الذوق مدخل للقراءة، لكنه ليس حُكمًا.
· الفهم العميق (قراءة ما بين السطور): هنا تكمن موهبة التأويل، فالناقد الحقيقي هو الذي يرى ما لا يراه القارئ العادي، ويكشف عن الطبقات الخفية للنص، وهي مهمة تتطلب حساسية لغوية وثقافة موسوعية.
*النقد كأداة لتصفية الحسابات: أخطر الأمراض
إن تحويل المنابر الثقافية والندوات إلى "ساحات حرب" لتصفية الحسابات الشخصية هو انتحار للثقافة بعينها، هنا لا يعود النص هو المادة الخام للنقاش، بل يصبح مجرد ذريعة، يتحول الناقد إلى جلاد، والمبدع إلى ضحية، والمتلقي إلى مشاهد في حلبة مصارعة. هذه الممارسة تدمر النسيج الثقافي، وتخلق عداوات شخصية تعيق أي حراك إبداعي جماعي، وتجعل من الأدب ساحة تصفية حسابات لا تختلف عن الصراعات السياسية الرخيصة.
إن ما تم طرحه هو بمثابة "بيان أخلاقي" يحتاجه النقد العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى، إنها دعوة صارخة لإعادة الأمور إلى نصابها، وإعلاء قيمة المسؤولية والأمانة في الخطاب النقدي، النقد مسؤولية كبرى، لأنه لا يتعامل مع ورق وحبر، بل مع عقول وقلوب ورؤى للعالم.
إن الحل ليس في إلغاء النقد، بل في تهذيبه وإعادته إلى جادة الموضوعية والإنصاف، المطلوب هو استعادة فكرة أن النقد الجيد هو الذي يضيء النص، ويمتع القارئ، ويرشد المبدع، لا الذي يقتل أو يمجّد دون سبب، فالناقد الحقيقي هو شريك المبدع في رحلته الشاقة نحو الجمال والحقيقة، وليس حارسًا على بوابات الهيبة أو وصيًا على الذوق العام، وبقدر ما نستطيع حماية النقد من آفات التنمر والمجاملات، بقدر ما نستطيع حماية الإبداع نفسه، وبقدر ما نصنع ثقافة عربية حقيقية واعية بذاتها وقادرة على الحوار مع العالم.
