درش ولع الموسم الرمضاني

 



بقلم محمد فتحي

 مصطفي شعبان في دور درش غامض مؤثر في موسمٍ رمضانيٍّ مزدحمٍ بالنجوم والرهانات الإنتاجية الثقيلة، خرج مسلسل درش من بين الزحام لا باعتباره عملاً دراميًا جديدًا فحسب، بل كظاهرة تفاعلية صنعت حالة جدل يومي، وفرضت اسمها في صدارة التريند، خصوصًا على منصة «إكس»، حيث تحوّل بطل العمل إلى سؤال مفتوح يتداوله الجمهور: من هو «درش» حقًا؟

اللافت أن الرهان الأكبر في العمل لم يكن على الحدث الصاخب، بل على «الشخصية» بوصفها مركز الثقل الدرامي. وهنا يظهر مصطفى شعبان في أحد أكثر أدواره اختلافًا منذ سنوات؛ أداء هادئ ظاهريًا، متوتر في العمق، ومشحون بإشارات نفسية تجعل كل مشهد قابلًا لإعادة القراءة.

دراما الشخصية… لا دراما الحدث

ينتمي «درش» إلى ذلك النوع من الأعمال التي تُبنى على كشف تدريجي للهوية. لا يقدم بطله باعتباره نموذجًا بطوليًا تقليديًا، بل ككائن درامي متحوّل، تتبدّل طبقاته مع كل حلقة.

الرجل الذي يبدو بسيطًا في ملامحه الأولى، سرعان ما يتكشّف كعقدة سردية معقّدة: ذاكرة ملتبسة، ماضٍ غير محسوم، ودوائر علاقات تتسع كلما ظنّ المشاهد أنه اقترب من الحقيقة.

هذه التقنية – القائمة على «اقتصاد المعلومة» – منحت العمل ميزة تنافسية في سباق رمضان؛ إذ تحوّلت نهاية كل حلقة إلى نقطة اشتعال على «إكس»، حيث تتكاثر التحليلات والتأويلات، ويتحوّل المتفرج إلى شريك في فك الشفرة.

منصة «إكس»… غرفة عمليات الجمهور

منذ عرض الحلقات الأولى، تصدّر هاشتاج المسلسل قوائم الأكثر تداولًا، مع آلاف التغريدات اليومية التي تراوحت بين الإشادة بالأداء، وتحليل الرموز، وتوقّع المسارات القادمة.

لم يعد التفاعل مقتصرًا على الإعجاب أو النقد، بل اتخذ شكل «تحقيق جماعي» يقوده الجمهور، وهو ما يعكس تحوّل الدراما من منتج يُستهلك إلى تجربة تُناقش وتُفكّك لحظة بلحظة.

هذا الزخم انعكس بدوره على نسب المشاهدة عبر المنصات الرقمية والقنوات العارضة، حيث سجّل العمل ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات المتابعة وإعادة المشاهدة، مدفوعًا برغبة الجمهور في التقاط تفاصيل ربما فاتته في العرض الأول.

مصطفى شعبان… إعادة تموضع فني

الأكيد أن مصطفى شعبان في «درش» لا يكرّر نفسه.

هو هنا أقل صخبًا، أكثر تركيزًا، وأقرب إلى الأداء الداخلي الذي يعتمد على النظرة، الصمت، والإيماءة العابرة. هذا التحوّل منح الشخصية مصداقية، وحرّرها من القوالب النمطية التي لاحقت بعض أدواره السابقة.

نجاحه في تجسيد هذا التعقيد النفسي أعاد طرح اسمه بقوة في معادلة المنافسة الرمضانية، ليس فقط كنجم جماهيري، بل كممثل قادر على إعادة تعريف حضوره الفني.

لماذا نجح «درش»؟

شخصية غامضة مكتوبة بذكاء: لا تمنح المشاهد إجابات سهلة.

بناء حلقي قائم على التشويق المتصاعد: كل حلقة سؤال جديد.

أداء تمثيلي محسوب التفاصيل: يمنح الغموض بعدًا إنسانيًا.

زمن رقمي يخدم العمل: حيث تحوّل التفاعل الإلكتروني إلى جزء من نجاحه.

ما بعد التريند

التريند وحده لا يصنع قيمة فنية، لكنه مؤشر على حضور وتأثير. و«درش» – حتى الآن – استطاع أن يجمع بين الاثنين: الجدل الجماهيري، والرهان الفني.

السؤال الذي سيحسم مكانته في ذاكرة الموسم ليس فقط: هل سيظل متصدرًا؟

بل: هل سينجح في تقديم نهاية تليق بكل هذا الترقب؟

حتى ذلك الحين، يبقى «درش» عنوانًا لرمضان مختلف… رمضان تُدار معاركه هذه المرة على الشاشة… وعلى منصة «إكس» في آنٍ واحد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology