بقلم: سجى السليمان
يأتي رمضان هذا العام والعالم يبدو أكثر قلقًا مما اعتدنا. الأخبار تتلاحق، وصور الحروب تمرّ أمام أعيننا بسرعة لا تمنح القلب وقتًا كافيًا ليتنفس. في مثل هذه الأيام يشعر الإنسان أحيانًا أن الطمأنينة أصبحت شيئًا بعيدًا، أو ترفًا لا يتسع له هذا الزمن المضطرب.
لكن رمضان، بطبيعته الهادئة، يذكّرنا بشيء مختلف.
في هذا الشهر تتباطأ الحياة قليلًا، حتى وإن لم يتباطأ العالم. نستيقظ للسحور بينما الليل ما زال قائمًا، وفي تلك اللحظات البسيطة يبدو كل شيء أكثر سكونًا. ضوء خافت في المطبخ، كوب ماء على الطاولة، دعاء يُقال بهدوء… تفاصيل صغيرة لكنها تحمل معنى عميقًا: أن الحياة ما زالت مستمرة.
ربما لا نستطيع إيقاف الحروب، ولا تغيير مسار العالم وحدنا، لكن الإنسان يمتلك قدرة أخرى لا تقل أهمية: القدرة على حماية قلبه من الانكسار الكامل.
يفعل ذلك بالإيمان أحيانًا، وبالعادات الصغيرة التي تمنح الحياة معناها. مائدة إفطار تُجمع حولها العائلة، صوت الأذان حين يعلن نهاية يوم طويل من الصيام، لحظة صمت يرفع فيها الإنسان يديه بالدعاء. في هذه اللحظات يشعر المرء أن الطمأنينة لا تأتي من هدوء العالم، بل من هدوء القلب.
في الأزمنة الصعبة يكتشف الناس أن الاستمرار في الحياة نفسها فعل قوة. أن نحافظ على إنسانيتنا، أن نشارك الطعام، أن نسأل عن بعضنا، وأن نترك مساحة للأمل، كل ذلك يصبح نوعًا من المقاومة الهادئة في وجه القلق.
رمضان لا يوقف العواصف التي تعصف بالعالم، لكنه يذكّرنا بأن داخل كل إنسان مساحة من السكينة يمكن أن تبقى حيّة مهما اشتد الاضطراب.
ولهذا ربما يكون الدرس الأعمق لهذا الشهر:
أن الطمأنينة ليست غياب الخوف، بل القدرة على أن نحيا رغم حضوره.
وفي عالم يزداد ضجيجًا يومًا بعد يوم، قد تكون هذه السكينة الصغيرة التي نحملها في قلوبنا اعظم ما نملك
