بقلم : دلال جواد الأسدي
ميّزتُ في ذكر جوانب متناقضة بين الظاهر والباطن، البعض يظهر بمظهر يُفهم خطأً، وممكن أن يكون هو شخصًا جيدًا ومختلفًا،
والبعض الآخر ممكن أن المتعارف عليه من هيبة المظهر الخارجي وكِبَر السن تُعطي وقارًا مخادعًا.
مستمدة هذا الأضداد من كلمة ساكسونيا.
محورية الحدث:
ينطلق الحدث ويتمحور، يكاد يكون بشكل أساس، حول الفتاة التي دخلت وهي بمكالمة هاتفية.
جدلية بشخصيات:
المرأة الشابة:
ممكن القول إنها المحور الذي ينطلق منه جدلية التكهن والحكم من الآخرين، بما يمثلهم من وجهات نظر لا تمثل الشخصية، لكن أُطلقت سهام الحكم دون علمها فقط من المظهر الخارجي.
النادل:
العامل المساعد والشعلة في صنع الحدث وتكوينه في مساعدة البطلة،
ساهم في صياغة الحكم دون تحكم منه.
الكاهل العجوز:
أحد الشخصيات التي ساهمت في تحريك المشهد عن طريق إعطاء رأي خاص به، ساكسونيا فردية،
إطلاق سهام حكم على فتاة من مظهر خارجي دون معرفة مسبقة.
الشاب الذي يدخن:
شاب أظهر النية المبيّتة في الخداع وعدم احترام النساء، واستخدام الحب للتعارف، والحكم من الشكل الخارجي على الفتاة.
الرجل الأربعيني:
رجل ينسج أحلامًا للتعارف وتخطي الوحدة، مستخدمًا المكان الذي فيه ليحقق غاياته، ولكن مبنية بالغش والخداع.
سيدة مسنّة مع ابنها الكبير:
وجهة نظر أظهرت شيئًا من الإنصاف للفتاة عن طريق الأوصاف التي ذكرتها، أنها مثابرة مع تحرر محدود، مع مواكبة تطور العصر.
أساس إطلاق الأحكام:
في هذه القصة درجت الكاتبة مشهدًا جدليًا من دخول فتاة لمكان، وكأن الحوار قائم على تعرية نيات الآخرين أمامنا، وسمعنا وعرفنا ما يدور في رأسهم.
هذه الأحكام اختلفت من شخص لآخر، هي ليست حقيقة للشخص المعني بقدر ما تمثل نية الشخص نفسه ومحور فكره وتربيته، وكل شخص يرى من عين طبعه.
النهاية:
أروع ما يكون النهاية،
هي كانت وسط هذا الاستنباط من أفكار هزيلة لا تمثل غير كل شخص ونفسه وانعكاس مرآة روحه،
إنها البطلة،
بكل رفعة كما وصفت الكاتبة غادرت غير عابئة بهم.
استنتجتُ من تصرف البطلة حكمة:
أن وجهات نظر الآخرين وأفكارهم إليها يجب أن لا تؤثر بها، ولا نجعلها عائقًا في حياتنا، لأنها بكل بساطة في أغلب الأحيان تمثل عقدهم وربما أفكارهم، وأحيانًا مشاكلهم وما يعجزون عن إنجازه.
الارتباط الوثيق العنوان بالأحداث:
كل الحدث مع الأحكام ارتباط وثيق بالاسم بشكل مذهل ومتقن ومدروس، بين الحكم والشك والواقع هناك مسافة يجب الوعي والإدراك لها.
الرأي الخاص:
قصة قصيرة راقية تأملية تزخم بالرمزية،
تحمل عنصر السرد على أكتاف منبسطة من الوعي والتوظيف الجيد، اختيار رمزيات ومكان وزمن للحدث،
وكذلك صنع الحدث التصاعدي والتنازلي للغلق كان جميلًا جدًا، أعطاني فكرة تكاملية عند القراءة وأصاب الهدف بسهولة وسلاسة.
بشكل مبطن، القصة نقدية اجتماعية للواقع، الكثير من أفراد المجتمع الذي ينحاز إلى النظرة الذكورية للنساء بشكل عام، وبين المنظور الخاطئ والحكم من الشكل الخارجي، وينخرط الحكم غير الصائب ويكون بشكل ينقل أنطباع غير صحيح
اليكم النص
ساكسونيا
ينادي بأعلى صوته ـ ساكسونيا سا سا سا ساكسونيا ـ متجوِّلا يوهمنا بأنّه يبدِّل أفخر أنواع الأواني الَّتي لديه بما تحويه بيوتنا من خردة قديمة، ضجيج صوته يجعل الأمّهات تتكالب على بضاعته ظنًّا منهم أنَّه تاجر عظيم، فيكتشفون بعد عدّة مرّات من استخدامها أنَّها لا تساوي مقدار ما بدَّلوه بخردتهم، تتكرَّر يوميًّا التِّجارة، تبديل القديم بزخارف ـ ساكسونيا ـ في الحيِّ الهادئ القديم، منذ عشرات السّنين.
نزلت من سيارة فارهة، جلست في مقهى كبير عصريٍّ في أحد المناطق الرَّاقية، هي شديدة الجمال، رائعة المنظر محتشمة إلى حدٍّ كبير؛ حجاب يُغطي الكثير، تتحدَّث في الهاتف لا تعبأ بالجالسين، نبرة واثقة، كلمات راقية يبدو أنّها مكالمة عمل.
خلعت عنها المعطف الطَّويل؛ ليُظهر ملابس ضيقة مقارنة بحجابها، علّقته خلفها على الكرسيِّ، أكملت المكالمة، بابتسامة المعجب المحترم.
وضع النَّادل بجوارها القائمة.
لم تهتم بها طلبت فنجان من القهوة فقط، أكملت المكالمة.
بدأت سحبُ الشِّتاء تكشِّر عن أنيابها، دمعت السَّماء، لم تنتبه إلى المطر، متعمّقة في مكالمتها،
وضع النَّادل عليها كبسولة شفافة تقيها من المطر ـ كعادة المقاهي الكبرى في الشِّتاء ـ ابتسمت له شاكرة، وأكملت المكالمة.
مع أوَّل رشفة من القهوة أخرجت علبة سجائرها، بدأت تُدَّخن، الواحدة تلو الأخرى، تبدَّلت الأنظار، بدأت الحكايات تُنسج حولها.
كلٌّ يحكي حكاية في فكره، يدعمها بوجهة نظره، حكايات تنسجها العيون.
يعجُّ المقهى بحكايات، أحاديث، ضوضاء الصَّمت يملأ المشهد الرَّهيب.
الكاهل العجوز الجالس تحت المظلَّة يقرأ الجريدة؛ فتاة منحلَّة، تلبس لباس التَّقوى توهمنا بأنَّها قديسة، بدَّلت تقاليدها بما تراه في الغرب، ما الَّذي يجبرها على الحجاب، فلتخلعه أفضل من خداعنا.
الشَّاب الَّذي يدخِّن في الوسط منتظرًا فتاته؛ ليتها تعتذر، فتسنح لي الفرصة بالتَّعرف إليها، فتاة متحرّرة أقيم معها علاقة سهلة.
الرَّجل الأربعيني الجالس في انتظار موعد عمل؛ فتاة جميلة، تخطَّت الثَّلاثين، غير مرتبطة، لا تلبس خاتما، فرصة عظيمة للتَّعرف.
قد أنسج لها من خيوط العنكبوت قصًّة عن بشاعة زوجتي، أوهمها بالزَّواج، أقضي معها وقتًا ممتعًا، مكالمات هاتفية ـ إنّها متحرّرة عصريَّة ـ قد تتطوَّر لتصبح مكالمات جنسيَّة، ألهو معها بعض الوقت، ثمَّ أتركها؛ فأنا لا استطيع خيانة زوجتي، أو أن أتزوَّج عليها.
سيِّدة مسنَّة مع ابنها الكبير جاء ليرفّه عنها بعض الوقت خارج المنزل، بخبرة السِّنين، نسجت فتاة شرقيَّة، طحنتها الحياة ،حتَّى وصلت، لتُطفىء حزنها في سيجارتها، تحاول التَّمسك بتقاليد عروبتها فتشدّها الحياة العصريَّة، التَّحرر الزَّائف، تُحاول التَّماشي مع تقليد العصر الحديث، لتجد لنفسها مخرجًا من قيود قديمة، بدَّلت بعض الأعراف بزخارف غربيٍّة شكليٍّة، لا عن اقتناع أو تربيَة متأصِّلة فيها، بل لتجاري الحياة الحديثة؛ تترقَّى في عملها، تجد رفيق روحها فتكمل معه حياتها.
يداها النَّاعمتان تُوحيانِ بترف متأصِّل، عيناها الواسعتان الشَّاردتان تُخبران بما مرَّ في حياتها من مصاعب لا يقوى على حملها الكثير.
توَقّف المطر، أزال النَّادل الكبسولات عن الجالسين، نظرت نظرة عابرة لمن حولها، نسجت فكرة سريعة عن كلٍّ منهم، تركت للنَّادل حقِّ القهوة بزيادة محترمة فرح بها، نظر إليها نظرة المعجب المشتهي، بدَّل لمحة الاحترام الأولي بقصَّة خائبة في خياله كما فعل الآخرون.
تكمل المكالمة، وهي تغادر مبتسمة غير عابئة بهم.
ا
