مطر نيسان يسرق طفولة أيلول

 


  بقلم لبيب عتيق

في زقاق ضيق من أزقة حي الكوثر بتعز، حيث البيوت متلاصقة كأسنان المشط، كان أيلول يراقب السماء. لم يكن اسمه "أيلول" مجرد اسم عابر، كان يحمل في حروفه نهايات الصيف وبدايات الخريف، كان اسماً رقيقاً على طفل لم يتجاوز الثامنة، نحيل الجسد، أسود العينين، يرتدي نظارتة الطبية، وفي جيبه الممزق قليلاً حصاة صغيرة ملساء وجدها ذات يوم قرب السائلة.


جاء المطر يوم الخميس فجأة، غزيراً وكريماً، كأن السماء قررت أن تروي عطش المدينة الطويل. لم يكن مطراً هادئاً، كان مطراً ذا صوت، يقرع أسقف الصفيح والزنك بإيقاع يملأ القلب بهجة. صرخ أيلول بصوته الطفولي المبحوح من شدة الحماس: "جاء المطر!". لم يكن وحده، تجمع رفاقه، أبناء الجيران، حفاة الأقدام، يتسابقون على البرك الصغيرة التي بدأت تتشكل على الأسفلت المتشقق.


كانوا يلعبون لعبة "التحدي"، من يستطيع القفز فوق مجرى الماء المندفع دون أن تبتل قدمه. كان أيلول هو الأجرأ، يتقدم خطوة نحو مصدر الجريان، حيث تتجمع المياه من الحواري الضيقة لتشق طريقها نحو العبارة الكبيرة. تلك الفتحة المظلمة في الأرض، التي لطالما مرّ بجانبها مسرعاً، لم تخطر بباله أبداً كخطر. بالنسبة له، كانت مجرد فم كبير تبتلع ماء المطر لتوصله إلى مكان ما بعيد.


في لحظة، لم يسمعها أحد. كانت يد أيلول الصغيرة ممتدة نحو قطعة خشب يريد استخدامها كقارب وهمي. انزلقت قدمه اليسرى على حافة الإسمنت الملساء من الطحلب. لم يصرخ أصدقاؤه، لم يفهموا ما حدث. رأوه يختفي فجأة، كأن الأرض ابتلعته. لكن صوتاً واحداً ارتفع من بعيد. طفل آخر لم يكن يلعب معهم، كان واقفاً عند شباك بيته المطل على الشارع، يراقب المطر وحده. رأى أيلول في وسط المعركة مع السيل، رأى يديه الصغيرتين تضربان الماء بيأس، ورأى رأسه يظهر ويختفي مع التيار الجارف. سمع صوته، صوتاً مخنوقاً بالماء والخوف: "النجدة... ساعدوني...".


صرخ الطفل الغريب من الشباك بأعلى صوته: "الولد طاح في العبارة! الولد بيروح!" كان صوته هو الجرس الأول الذي أيقظ الحارة من غفلتها. ومن هنا بدأت ليلة لم تنم فيها حارة الكوثر.


---


عندما وصل الصراخ إلى أم أيلول، انخلع قلبها من مكانه. لم تنتظر أحداً. نزلت إلى الشارع حافية، تلطم صدرها، عيناها مفتوحتان على وسعهما، تبحثان في ماء السيل العكر عن خصلة شعر أو يد صغيرة ممدودة. كان أبوه قد عاد للتو من عملة، وجرى مع الرجال باتجاه مجرى السائلة، بينما ظلت أمه في الخلف. لم تكن تجيد الركض، لكنها لم تتوقف عن المشي. كانت تسير وراءهم بمسافة، تحمل فانوساً صغيراً يعمل ببطارية ضعيفة، تضيء به بين الصخور والجنبات. كلما مر الوقت، كان ضوء فانوسها يرتجف مع ارتجاف يدها. لم تجلس. لم تشرب ماءً. لم ترمش كثيراً. كان صوتها وحده هو الذي يقطع الليل من حين لآخر: "أيلول... حبيبي... أمك هنا..."


الغريب في تلك الليلة، أن الظلام لم يكن أسود تماماً. لم تكن أضواء البحث مقتصرة على جيران الحارة فقط. في مدينة مزقتها الجبهات والحواجز لسنوات، صنع أيلول بغيابه ما عجزت عنه السياسة. سيارات قادمة من أحياء "المسبح" و"المفتش" و"الروضة"، بعضها يحمل شباناً لا يعرفون الطفل ولا عائلته، لكنهم سمعوا النداء في مساجد الأحياء ومكبرات الصوت. الكل نزل. الكل بحث. لم يسأل أحدهم الآخر: "من أين أنت؟". كان السؤال الوحيد: "هل وجدتموه؟".


ورفاق أيلول الصغار... كانوا الأكثر صمتاً والأشد وجعاً. جلسوا عند حافة السائلة حيث بدأ البحث، رافضين العودة إلى بيوتهم. أعينهم زائغة، يحدقون في الماء الجارف وكأنهم ينتظرون أن يخرج صديقهم من بين الأمواج ضاحكاً ليقول لهم: "كنت أمزح معكم".


استمر الليل ثقيلاً. الأم ظلت واقفة، ظل الفانوس مرفوعاً، وظل صوتها ينادي. وحده صوت المطر الذي هدأ تدريجياً كان يجيبها. ومع بزوغ فجر الجمعة الحزين، عاد الزحف البشري من جهة سد العامرية، لكن هذه المرة كان المشهد مختلفاً. كان الأب يسير في المقدمة، منهكاً، كأن روحه خرجت منه. خلفه حمل الرجال جسداً صغيراً ملفوفاً بلحاف كان يغطي أيلول في سريره.


عندما وصلوا إلى الأم، لم تصرخ. مدت يدها المرتجفة، أزاحت طرف اللحاف قليلاً عن وجهه الصغير. كان الماء قد غسله، بدا نائماً. قبلت جبينه البارد، ثم رفعت رأسها إلى السماء. سقط الفانوس من يدها وانطفأ. لم يعد هناك ما يُنار من أجله.


صبيحة الجمعة، لم تكن جنازة أيلول جنازة طفل، بل كانت جنازة ضمير مدينة. نزلت تعز كلها. الشيخ والعامل، من شرقها وغربها، مشوا خلف نعش صغير خشبي لا يكاد يُرى بين الجموع. بكاه الغريب قبل القريب. كان المشهد يختصر حكاية بلد: أيلول مات غرقاً في حفرة مكشوفة، لكنه وهو ميت، نجح في سد حفر أكبر، حفر القلوب المتباعدة.


في المساء، ظلت الحفرة مفتوحة كما كانت. مرّ بجانبها الجيران عائدين من العزاء، يطأطئون رؤوسهم ويسرعون الخطى، لا يجرؤون على النظر في جوفها المظلم. صوت أم أيلول فقط هو الذي ملأ الشارع، ليس بالبكاء، بل بجملة واحدة ظلت تكررها: "غطوها... غطوها عشان ما يروح فيها طفل ثاني."


مازال صوت المطر يزور تعز، لكن صوت أم أيلول صار هاجساً لا يفارق مسامع الحي. . جملة ظلت معلقة في هواء تعز، تنتظر إجابة لم تأتِ.


وينه أيلول؟

.......................



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology