زملاء الدراسة

 


 بقلم.الكاتب بلعربي خالد

مونودراما: 

أجلس وحدي في مقهى قديم، أمامي فنجان قهوة بارد، وأمامي وجوه لم تعد كما كانت.

زملاء الدراسة… أين هم الآن؟

أحدهم صار مسؤولًا كبيرًا، يوقّع أوراقًا ليست تلك التي كنا نخطّها معًا في الفصل.

آخر يبيع الخضر في السوق، يضحك بصوت عالٍ كأنه لم يعرف الحزن يومًا.

وهناك من اختفى تمامًا، كأن الذاكرة ابتلعته بلا أثر.

أبتسم وأنا أسترجع أيام الطفولة، وأتحسر لأن تلك الأيام لن تعود.

كنا نجري ونمرح ونزهو، لا نبالي بالدنيا، وفي قلوبنا شيء ينبض، وأجنحة ترفرف بطَيش الشباب.

نتعارك ونتخاصم، ثم نتصالح كأن شيئًا لم يكن.

كانت الإنسانية فينا حيّة، والأخلاق تسري في عروقنا.

كنا نحلم أن نغيّر العالم… واليوم، العالم هو من غيّرنا.

كنا نكتب أسماءنا على الطاولات، واليوم نكتب طلباتنا على الأوراق.

في المدرسة، كنا نؤمن أن الخير ينتصر دائمًا، لكن في الحياة… الشر يجلس في مكتب مكيف، والخير يقف في طابور طويل، يحمل حقيبة قديمة وابتسامة لا تموت، ينتظر دوره بصبر.

كان لي زميل، ملتزمًا لا يضيّع فرضًا من الصلاة، ثم تموّجت حياته كموج البحر، فصار خمارًا، ثم عاد كما كان… كأن الزمن يلعب به لعبة لا تنتهي.

بعض زملائي يكتبون اليوم عن الوطنية على وسائل التواصل، وآخرون يكتبون عن السفر والهجرة.

كل واحد يعيش في زمنه الخاص، لكننا جميعًا نحمل نفس الذكرى: السبورة، الطباشير، رائحة الكتب، وضحكة المعلم الذي لم يكن يعرف أنه يعلّمنا الحياة أكثر من الدروس.

ذلك المعلم صاحب الوجه البشوش، كان يفتتح كل درس بابتسامة، يسائل عن أحوالنا بطريقة تضحكنا، فيحوّل بداية الدرس إلى نزهة في بستان المعرفة، حيث يأخذ كل واحد منا زهرة فواحة.

وفي النهاية، أدركت أن زملاء الدراسة لم يغيبوا عني، بل يسكنون داخلي.

كل واحد منهم يمثل جزءًا مني: الطموح، الخيبة، الأمل، والحنين إلى الماضي.

نحن لا نفترق أبدًا… فقط نغيّر المكان والوجه، ونبقى زملاء في مدرسة الحياة نفسها.

نهاية 


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology