نازعتني روحي إليك

  



 الكاتبة هيا برماوي


أقف خلف النافذة، أراقب جمال الجو الممطر…

كعادتي، قهوتي الدافئة في يدي.


الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل…

ولم أستطع النوم هذه الليلة.


خمسة عشر عامًا مرّت على فراقك،

وأنا معلّقة بين الحنين والغياب…

بين الحضور والخيال.


أدرتُ الراديو—

وكأن الذكريات والحنين والصدف اجتمعت عليّ هذه الليلة.


فما إن أدرته…

حتى انبعثت منه مقطوعتنا المفضلة لـ عمر خيرت.


شعرت بدموعٍ حارة تحرق وجنتي…

لم أشتق إليك فقط

بل نازعتني روحي إليك.


في كل ليلة،

يتسلل عطرك من نافذتي…

ليؤنس وحدتي.


فأهرع، أبحث عنك 

ولا أجد سوى طيفٍ عابر،

يحمل بقايا عطر…

ومشاعر قديمة.


تأبى ذاكرتي أن تنسى…

كل تفصيلةٍ تخصك.


دوّنتُك على جدران قلبي،

وأغلقت عليك أضلعي…

حتى تبقى داخلي للأبد.


وكأن العمر لم يكن كافيًا لينسيني إياك…

ألم تكن خمسة عشر عامًا عمرًا كاملًا؟


كيف تكون حاضرًا بهذه القوة…

وأنت الذي مرّ على غيابك زمن؟


كيف تسكن كل الأماكن…

وأنت الغائب؟


أما آن لك أن ترحل من داخلي؟

أن تحمل ذكرياتك…

وما تبقى من قلبي…

وتغادر؟


ألم يمضِ من عمري ما يكفي…

وأنا أحاول أن أعيش بدونك؟


تنهدتُ، وأنا أراقب المطر بهدوء…

والضباب يلفّ المكان،

بعد أن أرهقتني أفكاري.


لكن


ما إن نظرت بتمعّن…

حتى رأيته.


يقف تحت المطر.


تمامًا كما كان يقف… في يوم وداعه الأخير ''


ينظر إلى نافذتي.


تجمدت مكاني.

ظننت أنني أتوهّم…

فالضباب كان كثيفًا.


لكنه لم يتحرك.


لم يبتعد.


وفجأة

امتلأت الغرفة برائحة عطره.


سقط فنجان القهوة من يدي…

كأنّه أعادني إلى الواقع.


نظرت إليه


فرأيته…

يمشي.


ببطء.


مبتعدًا.


خمسة عشر عامًا…

وأنا أشم عطره كل ليلة،

وأظن أنني أتوهّم.


خمسة عشر عامًا…

وهو هنا.


لم يرحل.


لم يقترب.


فقط…

يراقبني من بعيد.


رفعت عيني نحو النافذة مجددًا…

وهمست، بصوتٍ بالكاد يُسمع:


“إن كانت روحي قد نازعتني إليك…

فلماذا لم تنازعك روحك إليّ؟”

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology