قراءة لقصيدة الشاعر الفلسطيني د.علاء نعيم الغول"واجهة العطر "

 


بقلم الاستاذة حياة بن تمنصورت



 

لم يكن العطر بدالّ غريب عن نصوص الشعراء  وقد اختلفت مدلولاته من شاعر إلى آخر و تنوّعت تنوّع أساليبيهم و رؤاهم فنرى الشاعر الفرنسي بودلير يصفه قائلا:"من العطور ما هو نضر مثل بشرة الرضيع

و ما هو حلو مثل صوت المزامير

و ما هو أكثر خضرة من البراري "

بينما يحاول نزار القباني حصر مفاهيمه بقوله:

"العطر لغة لها مفرداتها و حروفها

و أبجديتها ككل اللغات

و للعطور أصناف و أمزجة منها ما هو تمتمة و منها ما هو صلاةو منها ما هو غزوة بربرية "..ولعلّ محاولةقراءة واجهة..العطر" هي محاولة تبيّن خصوصيات هذا العطر و مكونات تركيبته ورصد مدلولات هي غيرما يوحي به العطر ذلك المستخلص طيّب الرائحة..

تتنوع الحقول الدّلالية فى هذه القصيدة

وتتعدّد معه الحركات...فكأنّ القصيدة تسافر بنا في كل الاتّجاهات كما تسافر الرّائحة فى كل الأمكنة.تأخذنا الدّلالة في كل مرّة الى ريح ورائحة.بين مجرد ومحسوس ،ذهني وملموس. فكيف كان السفر وأين ينتهي بنا المطاف ؟


العطر(الحسّي/الحركة الافقيّة)


فى بداية القصيدة الاولى تتوالى التّعريفات ..وتتوالى الحركات ،بين ألسنة تتلاحس ،بين الماء والماء .

معجم حسّيّ يحتفي بالرّغبة والعطر هنا لا معتصرُ الزهور بل معتصر الحقيقة...ماء الحياة حين يكون الحبّ....

العطر ايضا طِيب القلوب ،حركة افقيةفى اتّجاه المرأة المشتهاة يُستدلّ به على نوافذها...و"الذي غذّى الحياة من البداية وردة.."فالعطر هو محرّك الحبّ أو هو ماء الحبّ أو هو كلاهما..شهوةٌ للحبّ وللحياة


العطر(المجرّد/الحركة العمودية):


فى المقطع الموالي تنتمي أغلب المفردات الى الحقل الدلاليّ الدينيّ فالعطر(قول الله تعالى-وعد النبيّين-طيب الدّعاء -الملائكة_العروج_

مباركا...)..يتزامن مع هذا المعجم الدينيّ حركة عموديّة.."يا عطر زد من شوقك العلويّ واصعد الى حيث السّماء...أرى البعيد ولا يراه الآخرون.."

حركة صوفيّة تجعل من العطر سبيلا الى معانقة الغيب والانعتاق فيها شوق الى مالايُعرفُ ويحضر "البخور" رمزا دينيّا

(يستخدم عادة فى المناسبات الدينيّة..أو اماكن العبادة..) .

هكذا بدأ العطر ماءً للحياة ليتجلّى في مستوى آخر ،فى ابعادٍ روحيّة...

فهل هذا تقديم للحسّ على الرّوح.؟..أم أنّ رائحة العطر تأخذنا هنا وهناك ،نتلمّس أثره بين لذّة حسيّة ولذّة روحيّة...لذّتان تعانقان سماء النشوة .بل ان المفهوم يتّسع أكثر ليكون العطر مرادفا للعقل...

"عقولنا ايضا عطور"... يختلف مدى طيبها من عقل الى عقل...من فكر الى فكر حسب الغايات والنيّات...


العطر/عطرنا(أنا +انتِ)


ينتقل الشاعر من العامّ الى الخاصّ. من مفاهيم مختلفة ومعاجم متنوعّة الى ما يفوح بينهما بين هو وهي .. وبينهما تتلوّن الروائح حسب الطقس والطقوس والفصول ...تضوع رائحة البرتقال في غير موسمها صيفا متمازجة مع عبير الفانيليا....وتبدو رائحة "العطر المعدّ من الخشب ."محبّذة أكثر شتاء....

هي روائح تذكي نار الرّغبة فلا تهدأ....

يظهر العالم الذي يلتقي فيه بالحبيبة..

مليئا بكلّ مكوّنات اللّذة..(عطر..موسيقى..نظرات قهوة..فراش نبيذ..لوز)مكونات المشهد تُشبع الحواسّ لمسًا..وذوقًا..وبصرا..وشمّا.....

غير ان هذا العالم يبدو حلمًا..فالحبيبة

بعيدة...ولا يحمل انفاسها سوى "عشب بحرها" خلف المدينة. . رائحة اخرى .. رائحة العطر،مفهوم آخر للعطر يتعالى عن كونه محسوسا الى ان يكون فكرة للّقاء لكسر المسافة بينها وبينه ..


العطر/الذكرى


"توقّعي ان لا نحبّ سوى المُحَبِّ من القديم..."وكانّ العطرهو كلّ ما مرّ/رائحة ماهو جميل من الماضي ...انها لذاكرة انتقائيّة تلك التي لا تحتفظ الاّ بما نحبّ

وما نحبّه من الحاضر هو "ما يشبهنا من عطورجميعها ."..العطر لم يعد له ذات خاصة به بمعزل عنّانتطيّب به، انه أجمل ما كان فينا وما سيكون....

فى المقطع 4يؤكد على هذه الفكرة من خلال علاقة العطر بالمكان..حيث يقول الشاعر" هل جرّبت تعطير المقاعد قبل أن يصل القطار..فقد ننام لساعة متوسّدين شعورنا بالاحتماء..." مقابلة بين البقاء والسّفر ،بين الحضور والغياب ...

يخلّد العطر حب العاشقين على مقعد...فيذهبان ويبقى عطرهما كما تبقى القصيدة ...وقد ياخذهما العطرفلا تسافر غير الحقائب.."هي الحقائب تستعدّ لأن تسافر قبلنا.."

ويقول.،"ونحن نصير رائحة وعطرا،ونحن نصبح ذكرى..."...ويقول "نحن مجبرون على المنافي والرّحيل ونحمل الباقي من الباقي صداقات وذاكرة"  إذا فالعطر ذكرى قد تكون حملا ثقيلا ف"ما السبيل الى اغتسالنا من ملابسنا القديمة...؟"


العطر/السحر


"كتبوا روايات ودوّنت الاساطير الغريبة عن عطور كان منها السّحر....."...يبدا المقطع7باشارة الى رمزية العطر في الموروث الشعبي خاصّة في علاقته بالسّحر ..في اسلوب اخباري لينتقل الى توظيفه فى الحديث عن علاقته بالمعشوقة من خلال أسلوب انشائيّ يقوم على الأمر لغاية التّحذير والتّنبيه .."فلتحذري المشموم من بين الهدايا" ويقول "احرقي ثوبا رششتُ عليه عطراً"....لينتهي الى التّأكيد "قد سحرتك "بواسطة رائحة تسافر خلطت من "نوتات العطور". صورة شعريّة رائعة،ربط بين ما يحيل على الموسيقى/الصّوت وبين ما يحيل على الرائحة /العطر...

يوكِل الشاعر دورا آخر العطر وهو ايقاعها فى الحبّ أليس العطر هو ما يفوح به الكلام..؟

والغاية هي " أن تبقى ذرّات هذا المسك فى مساماتنا.... غذيته من طيب ارواحنا.."

مراوحة فى أوّل النص بين الحسٌي والروحي تنتهي الى انصهار بينهما ،فالعطر "فضَح اللّيالي الباذخات."

وفي نفس الوقت هو ما "عبّق الصلاوات"

ثم يكون هو المنادى في نهاية القصيدة .."خذ احلامنا مناودعنا في نوافذنا..."..هل هي رغبة فى أن تنتشر الأحلام عطرا حتى لا تزول. .وتُختم القصيدة بموقف خاصّ"لن نبالغ فى السّكوت".."لن نموت.."هي دعوة للبوح /للحياة ...فالسكوت صمت والصّمت موت فما احوجنا لزجاجة عطر حمراء.هي رائحة الحب في زمن التلاشي والاغتراب...اليس هو الحبّ "شمعتنا التي لا تنطفيء"

واجهة العطر واجهة لدلالات كثيرة رائحة خاصة مستخلصة من صور مختلفة تمزج بين المجرّد و المحسوس أسلوبا ،و بين الحسّ و الروح مضمونا...

شكل آخر،رائحة أخرى تضوع من أزاهير الحب و الحياة تنضاف الى الإرث الأدبيّ الانسانيّ



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology