قهوتي… وما تبقّى مني

  


الكاتبة هيا برماوي 

.

أحضرتُ الحطب وأشعلتُ المدفأة.


تناولتُ فنجان قهوتي وجلست.

فكرتُ قليلًا… لا أدري كم احتسيتُ اليوم من القهوة؛

أخمسة فناجين أم ستة؟ ربما تسعة…


لا أستغرب من نفسي،

فقهوتي هي ملاذي.


في أقسى أوقاتي، لا أجد ملاذًا سوى قهوتي، وقلمي، ومدونتي، وكتبي.

هذا عالمي… ملجئي في عزلتي.


عندما أفرح، أحتسي قهوتي،

وعندما أحزن، أنطوي في مكتبتي،

بين فناجينها المُهملة، وصفحات كتبي،

وما يخطّه قلمي ليُريح قلبي.


توجهتُ إلى مكتبتي، وأخذتُ الرواية التي بدأت بها أمس،

“حب جديد” لـ كارلا كاسيدي.


عدتُ إلى كرسيّي،

وبدأتُ أقرأ وأحتسي قهوتي…

حتى مضت قرابة ساعتين.


نظرتُ إلى الساعة،

كانت تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل.


نهضتُ، وغسلتُ وجهي بقليل من الماء لأمحو أثر النعاس،

ثم أمسكتُ قلمي، وأحضرتُ مدونتي، وبدأتُ أكتب.


لم تُسعفني ذاكرتي للماضي البعيد،

لكنني تذكرتُ بعض الأشياء التي تمنيتُ لو أنني نسيتها.


هناك وجعٌ قديم،

جرحٌ لم يلتئم بعد،

ومواقف في ذاكرتي رفضت المغادرة،

كأنها وجدت في داخلي مستقرًا وأمانًا إلى الأبد.


رحيلُ من أحببتُ دون وداع…

وطيفُ أصدقاء الطفولة يمرّ أمامي،

ليبعث الغربة في روحي بعد كل تلك السنين.


شعرتُ أنني اغتربتُ عن نفسي،

حين لم يبقَ لي أحدٌ منهم.


لا أدري ماذا كتبتُ في تلك الليلة،

لكنني بقيتُ هكذا حتى الرابعة فجراً.


نهضتُ بتعبٍ وتثاقل…


نظرتُ إلى فناجين القهوة المتناثرة حولي،

وإلى الأوراق التي امتلأت بكلماتٍ أثقلت صدري ثم حرّرته.


اقتربتُ منها،

ومررتُ أصابعي فوق السطور،

كأنني ألمس شيئًا مني… ضائعًا ثم عاد.


جلستُ من جديد،

وسكبتُ فنجانًا آخر.


أمسكتُ به بين يديّ،

وشعرتُ بحرارته تتسلل ببطء،

تُهدّئ هذا الضجيج في داخلي.


أغمضتُ عينيّ للحظة،

وشعرتُ أنني

للمرة الأولى منذ وقتٍ طويل

لستُ وحيدة تمامًا.


فتحتُ عينيّ، ونظرتُ حولي…

إلى كتبي، إلى كلماتي، إلى هذا الصمت الذي صار يشبهني.


وابتسمتُ بخفوت…


لأنني أدركتُ أخيرًا


أن قهوتي

لم تكن هروبًا…


بل كانت ملاذي الوحيد،

حين لا يبقى لي من العالم

سوى نفسي..

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology