الإيحاءات الرمزية في قصة ( مرآة ) للكاتب " حسن أجبوه "

 


بقلم : رولا علي سلوم 


نص القصة ( مرآة ):

( غافلتني لما استدامت عنوستي، كل صباح أصحو أصغر عمرا.. جربت أن أعيد تركيب شظاياها.. أطنبت صرخات الفرسان سمعي وداست حوافر الخيل فوق دمائي ! )


 أقرأ سيرورة النص وفق السبب والنتيجة، وما يحمّله الكاتب " حسن آجبوه " من رموز موحية معبّرة .. 

بدايةً؛ لماذا اختار الكاتب عنوان " مرآة" ؟؟ هذا العنوان المرتبط بالمرأة، فالعلاقة بين الاثنتين وثيقة جداً، حيث تهتم المرأة بجمالها، وتخاف من تقدّم العمر. المرآة تعكس صورتها في الواقع، وهي في الوقت نفسه تفضحها عندما تتغير ملامحها من الشباب إلى العجز . تلك المرآة غافلت المرأة وابتعدت عنها، عندما وجدت ماحلّ بالمرأة من عنوسةٍ وتقدّمٍ في العمر.. رغم أنّ العنوسة كلمة تُقال للمرأة وللرجل على حدّ سواء، إلا أنها هنا ارتبطت بالمرآة وبالمرأة أيضا أكثر ..

وحتى المرأة نفسها تبتعد تلقائياً عن المرآة عندما تتقدّم بالعمر، فلا تريد أن ترى ما حلّ بشبابها وجمالها وما آل إليه كلٌ منهما، لذلك تنسى أو تتناسى المرأة مرآتها، خاصةً إذا كانت المرأة قد كبرت في العمر ولم تتزوج، وأصبحت عانساً، وتغيرت ملامحها ...

ولكي يؤكد الكاتب تلك العلاقة الوثيقة أردف بعبارته " كل صباح أصحو أصغر عمراً "، لماذا في الصباح - فقط - تجد المرأة عمرها أصغر ؟؟ .. ربما لأنّ الحلم تكفّل بإخفاء ماجفّ من نضارةٍ، كما تكفّل بريّ ما قحط نداه في هذا الوجه الشاحب وفي هذا الجسد المرهق .

ثم يوضّح الكاتب أكثر وأكثر ذاكراً من خلال كلمة " شظاياها " دلالة المرآة المكسورة، تلك التي تشظّت آلاف المرايا والقطع الصغيرة، لتغدو المرآة الواحدة مرايا مُهشّمة، ولتغدو أيضا الصورة الكاملة الجميلة آلاف الصور المشوهّة . لقد تكسّرت المرآة " الذات " وتشوهت، وهذا ما حلّ بالمرأة العانس بعد أن فاتها قطار الحب والزواج .. غدت مشوّهة مكسّرة آلاف القطع من المرايا.. وإن كانت هذه فكرة الكاتب فلا أوافقه عليها أبدا، لأنّ إعاقة الفكر والروح أشدّ من العنوسة نفسها . 

عندما تُكسر المرآة لا يمكن إعادتها إلى سابق عهدها، فالتشّوه إذاً أبديّ حتى الموت، لذلك قال الكاتب " جرّبتُ"، هو حاول أن يُعيد تركيب شظاياها، ولكن؛ عبثاً .. وهل يعود العمرُ من جديد ؟؟ الزمن هذا المارد الجبار، هل لأحدٍ أن يتحدّاه ويوقفه ؟؟ .. يعبّر الكاتب عن ذلك بقوله : " أطنبت صرخات الفرسان " وقد تكون تلك الصرخات تعبيراً عن الأيام، فالأيام رفضت ذلك من خلال " الإطناب"، وليس أدّل من هذه الكلمة في المعنى المراد، نقول: أطنب في الشيء؛ إذا استمر فيه ولم يتوقف عنه، وهنا الصراخ مستمر في أذني الفتاة وسمعها . هذا الصراخ؛ صراخ الفرسان ، هو رمز للأيام التي تُقرّعُ حياة المرأة العانس، وتذكّرها دوماً بأنها ضعيفة، أما عبارة " داست حوافر الخيل فوق دمائي" فهي صورة قاسية وأشدّ من سابقتها، وربما تكون حوافر الخيل تعبيراً عن الزمن ووقْعه المؤلم القاسي الذي يدمي الجسد والقلب والروح . إذاً الأيام والزمن يتكاتفان ليكونا القبضة القاضية على المرأة العانس، إنهما رمزان متحوّلان، متحركان لايتوقفان أبداً .. هكذا نقلنا الكاتب من كلمة المرآة فالمرأة فالعنوسة فالحلم فالتشوه فالموت نقلةً تراجيديةً رائعة، موظفاً فيها عنصر الزمن بكل مافيه من جبروت وقهر وقسوة وألم .

قصة قصيرة رائعة، استطاع الكاتب " حسن أجبوه" ببراعة - وهو الرجل- أن يلامس أعماق المرأة، ويشعر بها، ثم يعبّر عنها بدقةٍ وإتقان و روعة . 


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology