سجال أديبة مع ناقدة



 بقلم زينة لعجيمي /الجزائر

ما أقساها! 

ترى ما الذي دهاها، لمَ تنتقدني بحدة كلما قرأت لي نصا جديدا؟! أتساءل لماذا تعاملني وقلمي بتلك الفضاضة؟!

هي أسئلة وأخرى تثيرها لديّ تلك الناقدة القاسية، التي تسترسل دوما في نقدها اللاذع لي، فتارة تكون هيكلية الأسلوب، وأخرى انطباعية، نفسية، أو نمطية، وغير ذلك، لكن كثيرا ماتكون تلك الأصناف مجتمعة! 

كم تبدو حانقة من قلمي! فحين تعمد إلى نصوصي بالنقد، تصب علي جامّ غضبها، وكأنها تنتقم مني لكوني أتمتع بشخصية قوية وجريئة، لا أحد يكسر شوكتها، أو يشل عزيمتها، فلا يهز ثقتها نقد ناقد، ولا هي تأبه لمكر حاقد.

لم يحدث أن قرأَتْ لي نصا بعين الإعجاب والإقرار بمُكنتي، لقد استسلمتُ لفكرة استحالة حصول قلمي على اعترافها، مهما أبدع وتألق، بَيْد أني لا أكترث لها ولا لرأيها، فنقدها الدائم لا يثني من عزمي شيئا، بل يشكل رهانا وتحدّيا بالنسبة لي.

 لطالما أربكَتْ حروفي في العتمة، قبل خروجها منهكة للنور، وكأنما بيدها مشرط جراح بارع، تتفنن في تشريح بنية نصوصي والغوص في معانيها، وتفكيك رموزها، تهتم بفهم الدوافع، وترنو دوما لاستنباط التوجه الفكري للكاتبة، وتحليل ذهنيتها، وحالاتها الشعورية، سيما تلك التي تلبّستها أثناء الكتابة!   

كل مرة تُخضع فيها قلمي للتقييم، تضعه تحت المجهر، فلا يخلو الأمر من انتقاد لاذع، لابد وأن تشير إلى زلة أو هفوة، وتمطرني بوابل من ملحوظاتها المزعجة. 

غريب فعلا أمرها! لقد سئمت منها حقا، ألا تدرك تلك الناقدة المتعالية والمغرورة، أن الكتابة رحلة استكشافية للذات، يبحر فيها الكاتب مع القارىء على حد سواء، ويسعى خلالها لترويض وتطويع قلمه، بما يتناسب مع ميوله الفكرية وسماته الشخصية. 

ككاتبة لا تميل للبوح الذاتي، بل تملك رؤية وبصمة خاصة، أستهدف دوما ما وراء النص، لذا يروقني كثيرا تناول كتاباتي من هذا المنطلق، من قِبل ذوي الاختصاص من أدباء ونقّاد أكاديميين، بمنتهى التجرد والموضوعية بعيدا عن شخصنتها. 

رغم معاناتي الدائمة مع تلك الناقدة القاسية، إلا أنني أحبذ جدا فكرة حضورها الطاغي بعالمي، كحارس أمين لقلمي، أخال طيفها لا يفارقني لحظة، حد الشعور بهالتها الساحرة، تفرض عليّ سطوتها في هاته الأثناء وأنا أخط هذه الأسطر عنها، حاضرة وبقوة تنتقد نقدي لها! أمر مثير للسخرية فعلا، ذاك هو ديدنها، ناقدتي الاستثنائية ترعى نبضي في المخاض، وبعد الميلاد، فلا يبصر النور إلا بين يديها! ترهقني أحيانا، فيستوحش قلمي من بياض الدفتر، ويحدث أن تلتهمه خانة اللاشيء طويلا، غير أن تلك الناقدة تتمادى وتتحداني في حضوري كما الغياب، فأهزمها بالعودة أنضج وأكثر تمرسا.

فلأعترف قلمي دونها طفل صغير تائه، وبالمقابل هي لا يمكنها إلا أن تلازمه لتمارس عليه سلطتها  الوالِدية، صدقا لا يمكنني الفكاك منها أبدا.

بالرغم من أنني أعاني من تداعيات ثنائية الإبداع والنقد الذاتي، كونها تقودني لا محالة لفخ متلازمة الإتقان المرهقة، إلا أنني لا أقرّ بوجود تعارض بين الذات المبدعة والذات الناقدة، فالعلاقة بينهما ليست صدامية أو نِدّية، شريطة استيعاب المبدع ماهيتهما، والدور المنوط بكليهما، ومِن ثَمّ محاولة الحفاظ على التوازن بينهما، ليظهر جليا أثر ذلك في نتاجاته النوعية، من خلال ديمومة التناغم بين العاطفة الاندفاعية للمبدع، و عفوية طرحه وأسلوبه من جهة، والمنطق الأكاديمي الجاف للناقد الذي يسكنه، ويتولى مهمة الرقابة والتوجيه من جهة أخرى.

برأيي الناقد الداخلي للمبدع هو بمثابة الأنا العليا الأدبية، التي تتقمص دور الدليل والمرشد لذاته المبدعة، والعلاقة بينهما تكاملية بامتياز ومثمرة، ذلك ما يجني المبدع نتائجه الملموسة، على المدى القريب والبعيد.


 

 


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology