ما بين جبران ومي… عشرون عامًا من الحنين

 


 بقلم  هيا برماوي

كانت ليلةً ماطرة، والأمطار تهطل بغزارة خلف النافذة.

وبعد قرابة نصف ساعة، بدأت الثلوج تتساقط بهدوء، فارتدت الأرض ثوبها الأبيض الجميل.


تأملتُ المشهد طويلًا، وابتسمت بحنينٍ غريب.

كم كنتُ أتوق للنزول واللعب بالثلج كالأطفال… لكن الذي يمضي لا يعود، وأنا لم أعد تلك الطفلة التي عرفتها الأيام ذات شتاء.


تنهدتُ واتجهتُ إلى المطبخ.

أعددتُ قهوتي، ثم عدتُ إلى غرفة المعيشة وجلست قرب المدفأة.


مددتُ يدي نحو مكتبتي أبحث عن رواية أقرأها في تلك الليلة الطويلة، وحرصت أن تكون من الروايات الكلاسيكية، لكن عيناي توقفتا عند كتابٍ في أدب الرسائل.

أعدتُ الرواية إلى مكانها، وأخذتُ الكتاب أتأمل عنوانه، قبل أن يخطر في بالي شيءٌ مفاجئ.


نهضتُ بسرعة وتوجهتُ إلى غرفة جدتي.


كانت تجلس على سريرها كعادتها، يحيط بها صمتٌ دافئ يشبهها.

اقتربتُ منها وقبّلتُ رأسها، ثم قلت:


— جدتي… هل تسمحين لي أن آخذ صندوق الرسائل الذي تحتفظين به؟ أرغب بشدة في قراءة تلك الرسائل.


تبسمت وقالت:


— الآن فقط، بعدما كبرتِ، يمكنني أن أسمح لكِ بقراءتها.


صرختُ بحماس:


— حقًا؟!


أومأت برأسها وهي تبتسم، ثم قالت:


— نعم، ستجدينه داخل الصندوق الكبير.


توجهتُ بسرعة نحو صندوقها الخشبي الكبير، فتحته بحذر ، فاندفعت منه رائحة الماضي ، وبدأت أفتش بين ملابسها وحاجياتها القديمة، حتى وجدت ذلك الصندوق الصغير الذي طالما حلمتُ بفتحه منذ طفولتي.


حملته بين يدي بحذر، ثم خرجتُ من غرفة جدتي وعدتُ إلى أريكتي قرب المدفأة، حيث كانت قهوتي ما تزال دافئة.


وضعتُ الصندوق أمامي، وفتحته ببطء…


فاندفعت منه رائحة الورق المعتّق والسنوات البعيدة، كأنني فتحت بابًا قديمًا للحنين.


كانت الرسائل مائلة إلى الصفار، مرتبة بعناية، وكأن أحدهم كان يخشى عليها من الزمن.


قلّبت بينها ببطء، وعرفتُ أن أغلبها رسائل بين جبران خليل جبران ومي زيادة ..

كنت أعلم أن جدتي كانت تنسخ بعض رسائلهما وتحتفظ بها، لكنني لم أستطع قراءتها يومًا.


أخذتُ أول رسالة، وكان عنوانها:


«رسائل لم يطفئها البعد»


فتحتها وبدأت أقرأ:


“غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة الأشكال والألوان، ظهرت نجمة لامعة واحدة؛ الزهرة، آلهة الحب.

أترى يسكنها بشرٌ يحبون ويتشوقون مثلنا؟

ربما كانت فيها فتاة تشبهني… 

لها جبرانٌ واحد، حلوٌ بعيد، هو القريب القريب.”


شعرتُ بشيءٍ غريب يتحرك داخلي.


فتحتُ رسالةً أخرى بعنوان:


«رسائل لم تصل إلى العناق»


وكان فيها:


“تقولين لي إنكِ تخافين الحب. لماذا تخافينه يا صغيرتي؟

أتخافين نور الشمس؟ أتخافين مدَّ البحر؟ أتخافين طلوع الفجر؟

لما يا ترى تخافين الحب؟


لا تخافي الحب يا ماري…

علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة.”


أغلقتُ عيني للحظة، وشعرتُ بثقلٍ غريب في صدري.


تابعتُ تقليب الرسائل، فرأيت عناوين كثيرة تركت في قلبي شيئًا من الألم:


«الرسالة الأخيرة قبل الغياب»

«الرسالة التي بكتها مي طويلًا»

«ورسائل لم يعلم جبران أنها الأخيرة»


ثم وجدت ورقةً مختلفة عن البقية.


كانت تحمل رسمًا بسيطًا: كفًّا مفتوحة تتصاعد منها شعلة زرقاء.


وفي أسفلها كتب جبران خليل جبران:


«من جبران إلى ماري»


وتحتها التاريخ:

26 آذار 1931.


تأملتُ الورقة طويلًا، وأنا أفكر كم يبدو مؤلمًا أن يرسل الإنسان كلماته الأخيرة دون أن يعلم أنها الأخيرة فعلًا.


كانت تلك الشعلة الزرقاء آخر ما وصل من جبران إلى مي… قبل رحيله بأيام قليلة.


ولهذا سُمّيت رسائلهما لاحقًا:

«الشعلة الزرقاء».


تابعتُ القراءة، فوجدت بين الأوراق ما كتبته جدتي عنهما، وكأنها كانت تحفظ الحنين مع الرسائل:


“كان جبران يصف مي بأنها أقرب الناس إلى قلبه وروحه.

وكان يخاطبها قائلًا:

لماذا تخافين الحب يا ماري؟


ورغم المسافات الطويلة، ظل يفكر بها كل يوم، وكأنها الشيء الوحيد القادر على إيلامه وإراحته في الوقت نفسه.”


فتحتُ رسالةً أخرى بعنوان:


«إلى جبران… بعد أن خذلنا الموت»


كتبت مي :

“قادني إليك قدر…

وسرقك مني قدرٌ آخر،

وبين القدرين

فقدتُ قلبي.”


أغلقتُ الصندوق ببطء، ولم أعد قادرة على قراءة المزيد.


انهمرت دموعي دون أن أشعر، وضاق صدري كأنني فقدتُ شخصًا أعرفه منذ العمر كله.


وقفتُ قرب النافذة أراقب المطر، وأنا أفكر:


لماذا في أعظم قصص الحب… لا يكتمل الحب؟


قيس وليلى،

عنتر وعبلة،

وجبران ومي…


كل ذلك الحنين، وكل تلك الرسائل، ومع ذلك لم يجمعهما لقاء.


كأن الحب كُتب عليه أحيانًا أن يعيش كاملًا في الكلمات… وناقصًا في الحياة.


عدتُ إلى غرفة جدتي، فوجدتها شاردةً بعينين دامعتين.


اقتربتُ منها وهمست:


— ما بكِ يا جدتي؟


تنهدت طويلًا وقالت:


— إنه الحنين يا ابنتي…

فكم في هذه الدنيا من جبرانٍ بعيد، وكم هناك من مي تنتظر

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology