دون كيشوت و طواحين العصر الحديث



 الكاتب بلعربي خالد

في قلب المدينة التي لا تنام، حيث الشاشات العملاقة تضيء الوجوه أكثر مما تضيء الأرواح، وقف دون كيشوت العصري أمام ناطحة سحاب زجاجية تعانق الغيوم. كانت الواجهة تعكس آلاف الصور المتشابهة: موظفون يركضون، هواتف تومض، ووجوه بلا ملامح.

لكن الفارس دون كيشوت لم يرَ بناية.

رأى وحشًا معدنيًا هائلًا، يبتلع الناس كل صباح ثم يقذفهم ليلًا فارغين من الأحلام.

رفع قلمه الماركَر بدل رمحه المعتاد عاليًا كأنه قلما مقدّس، وصاح بصوت اخترق ضجيج السيارات:

— "أيها العملاق الجشع! لن تهزم الفارس الذي يكتب الحقيقة!"

إلى جانبه، كان سانشو بانزا يجرّ حماره الرمادي وسط الشوارع المزدحمة. الحمار يرفض السير أحيانًا، فيتوقف وسط الطريق مسببًا فوضى ، بينما سيارات الأجرة تطلق أبواقها بغضب.

قال سانشو وهو يربّت على عنق حماره:

— "حتى حماري يا سيدي يرفض أن يسير بسرعة هذا العصر."

ضحك دون كيشوت وقال:

— "لأنه آخر مخلوق يصارع الآلات ."

وفي تلك اللحظة، ظهرت سيارات الشرطة. كان أحد الضباط يصرخ عبر مكبّر الصوت:

— "يُمنع إدخال الحيوانات إلى المدينة هذي منطقة تجارية!"

فهمس سانشو مبتسمًا:

— "غريب… يسمحون بدخول الوحوش البشرية ولا يسمحون لحماري."

تجمّع الناس حولهما. بعضهم يصوّر، وبعضهم يضحك، وآخرون يبثّون الحدث مباشرة على شبكات التواصل الاجتماعية.

"مجنون يحارب الأبراج!"

"فارس فوق حصان واخر فوق حمار!"

"انهم قادمون رأيتهم اليوم!"

أما دون كيشوت فلم يهتم. اندفع نحو الجدران الإسمنتية وبدأ يكتب شعاراته السوداء:

"الإنسان ليس ترسًا."

"البشر لا تُباع بالتقسيط."

"المدينة التي تقتل الخيال… مقبرة عملاقة."

"هنا لا حياة لمن تادي ."

ثم لمح في زاوية الشارع مجموعة عمال نظافة يحدّقون فيه بصمت. كانوا متعبين، يجرّون عرباتهم كما لو أنهم يسحبون أعمارهم خلفهم. اقترب منهم وقال:

— "أنتم فرسان هذه المدينة الحقيقيون."

ابتسم أحدهم لأول مرة ذلك اليوم.

لكن المعركة الكبرى بدأت عندما رأى دون كيشوت صفًا طويلًا من الناس أمام متجر إلكتروني ضخم ينتظرون تعبئة رصيدهم او هاتفًا جديدًا.

اتسعت عيناه بحزن وقال:

— "انظر يا سانشو… لقد استبدلوا التنانين القديمة بتنانين صغيرة يحملونها في جيوبهم."

رد سانشو:

— "على الأقل هذه التنانين تمنحهم بعض التسلية."

فصرخ دون كيشوت:

— "التسلية التي تجعل الإنسان ينسى نفسه… سحرٌ أسوأ من الموت!"

اندفع نحو الشاشة الإعلانية العملاقة التي تعرض وجوهًا مبتسمة وشعارات استهلاكية براقة. هاجمها بقلمه كما هاجم في  القديم طواحين الهواء، يرسم فوقها وجوهًا حزينة وعيونًا تبكي.

ضحك الناس أكثر.

بعضهم رماه بعلب المشروبات.

وسأله طفل ببراءة:

— "هل أنت بطل خارق؟"

توقّف دون كيشوت لحظة، ثم انحنى أمامه وقال:

— "كنتُ أظن ذلك… لكنني مجرد رجل لا يريد للعالم أن يصبح آلة."

لاحقتهم الشرطة عبر الأزقة، فهرب سانشو بحماره بينما كان دون كيشوت يواصل الصراخ كأنه يخطب في جيش غير مرئي:

— "لا تسمحوا لهم بسرقة أحلامكم!"

وفي أثناء الهروب، تعثّر الفارس وسقط أرضًا. تدحرج قلمه بعيدًا، وتمزق معطفه الطويل، بينما أحاطت به أضواء السيارات وصفارات الشرطة.

اقترب سانشو منه قلقًا:

— "سيدي… لقد خسرنا المعركة ."

لكن دون كيشوت ابتسم وهو ينظر إلى السماء المحاصرة بالإعلانات:

— "لا يا سانشو…"

ثم أشار إلى الناس من حوله. كانوا لا يزالون يصورونه، يتحدثون عنه، يضحكون، يتجادلون.

وأكمل بصوت متعب :

— "لقد هزمتهم… ليس لأنهم سقطوا، بل لأنهم اضطروا أن يضحكوا عليّ بدل أن يتجاهلوني."

صمت قليلًا، ثم قال:

— "أخطر ما يفعله هذا العصر بالإنسان… أنه يجعله يمرّ بجانب الجنون والحكمة باللامبالاة نفسها."

ابتسم سانشو، وضرب الحمار الأرض بحافره كأنه يوافقه.

وفي صباح اليوم التالي، امتلأت الجدران في أنحاء المدينة بعبارة مجهولة المصدر:

"لا تزال هناك طواحين تستحق القتال."



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology