الكاتب بلعربي خالد
المقدمة
في اللغة العربية، تنحدر كلمة العمل من الجذر الثلاثي (ع م ل)، الذي يدلّ على الفعل، والإنجاز، والجدّ، والإرادة المقصودة. فالعمل في الثقافة العربية والإسلامية ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل يرتبط بالمسؤولية الأخلاقية والنية والجزاء. وقد ارتبط دائمًا بفكرة الاستخلاف والإعمار، كما في قوله تعالى:
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.
إنه قيمة إيجابية، وفضيلة، وواجب اجتماعي يربط الإنسان بذاته وبمجتمعه.
أما في الفرنسية، فإن كلمة travail تعود — وفقًا للتأصيل اللغوي الشائع — إلى اللاتينية tripalium، وهي أداة كانت تُستخدم للتقييد والتعذيب. ومن هذا الأصل الدلالي المرتبط بالألم، تطوّر المعنى عبر القرون ليشير إلى الكدح والمشقّة، قبل أن يستقر في العصر الحديث بوصفه النشاط المهني والإنتاجي.
ورغم اختلاف السياقات الحضارية، فإن هذه الثنائية تكشف مفارقة عميقة:
بين العمل كرسالة وقيمة، والعمل كإكراه ومعاناة.
علميًا، تُظهر دراسات علم النفس الاجتماعي أن الإنسان يحتاج إلى العمل بوصفه مصدرًا للمعنى والانتماء، لا فقط للدخل. لكن حين يتحول العمل إلى ضغط مستمر، دون اعتراف أو توازن، فإنه يفقد بُعده الإنساني ويصبح سببًا مباشرًا للاحتراق النفسي والإجهاد المزمن.
فوفقًا لتقارير World Health Organization، فإن الإرهاق المرتبط بالعمل لم يعد حالة فردية، بل ظاهرة عالمية مرتبطة بأنماط الإنتاج الحديثة.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي الكبير:
هل العمل يحرّر الإنسان… أم يستعبده؟
موسيقى.....
بداية
المشهد الأول: المحاكمة
(خشبة المسرح شبه فارغة. كرسي خشبي قديم، وطاولة تعلوها أوراق مبعثرة وساعة متوقفة. ضوء باهت يسلّط على رجل بربطة عنق ملتوية. يدخل ببطء، يجرّ قدميه كمن يحمل عمرًا كاملًا على كتفيه. يجلس، ثم يواجه الجمهور.)
المتهم:
أنا هنا… لأنني ارتكبت جريمة كبرى.
جريمة لا يغفرها هذا العصر.
جريمة التحرّر من العمل!
نعم… لقد توقفت.
جلست يومًا، ونظرت إلى السماء، وقررت ألا أركض.
فقالوا عني: كسول.
عاطل.
خطر على المجتمع.
لكنني فقط… كنت أتنفّس.
(ينهض فجأة، يواجه قاضيًا غير موجود، كأن قاعة المحكمة تمتلئ بأشباح الموظفين والمديرين.)
المتهم:
حضرة القاضي
أعترف أنني شككت في أعظم أسطورة صنعها الإنسان الحديث:
"العمل شرف."
لكن أي شرف هذا الذي يسرق العمر بالتقسيط؟
العمل اليوم ليس فضيلة…
بل عبودية حديثة بربطة عنق أنيقة.
العالم كله صار مصنعًا ضخمًا:
في China، عمال يكدحون كالنمل في خطوط إنتاج لا تنتهي.
في Paris، موظفون يبتسمون وهم يذبلون خلف الشاشات.
وفي United States، يُباع العمل كحلم… لكنه في الحقيقة كابوس ببطاقة ائتمان.
أما في الوطن العربي…
فالشباب يحلمون بالوظيفة كما يحلم الغريق بالشاطئ،
ثم يكتشفون أن الشاطئ نفسه سجنٌ آخر… لكنه مكيّف.
المشهد الثاني: فلسفة القيد
(يمشي في دائرة، كأن الأرض حزام ناقل.)
المتهم:
لقد بُنيت أنظمة العمل الحديثة على تقسيم صارم للأدوار.
كل فرد يؤدي مهمة صغيرة داخل آلة ضخمة، حتى يفقد علاقته بالنتيجة النهائية.
هذا ما وصفه علماء الاجتماع بـ"الاغتراب".
حين يصبح العامل منفصلًا عن ثمرة جهده، وعن ذاته، وحتى عن إنسانيته.
سمّى ذلك Karl Marx : استلاب الإنسان داخل النظام الإنتاجي. أما علماء النفس اليوم فيصفونه بأنه فقدان المعنى الوظيفي.
العمل حين يُختزل إلى ساعات وأوامر وتقارير…
لا يبني الإنسان، بل يعيد تشكيله وفق منطق السوق.
فالمجهود العضلي لا يُكافأ كما يُكافأ المجهود الفكري،وأحيانًا… من لا يعمل بيديه يربح أكثر ممن يستهلك جسده كل يوم.
بل قد يحكم من لا ينتج… أولئك الذين ينتجون.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
العدالة في سوق العمل ليست مرتبطة بالتعب،
بل بالقيمة التي يفرضها النظام على نوع العمل.
المشهد الثالث: دفاع الكسل
(يجلس بهدوء، يبتسم لأول مرة.)
المتهم:
لكنني لا أدافع عن الكسل بمعناه السطحي.
أنا أدافع عن حق الإنسان في التوقّف.
فالراحة ليست نقيض العمل،
بل شرطٌ لاستمراره.
علم الأعصاب يؤكد أن الدماغ يحتاج إلى فترات من "الشرود الواعي" ليستعيد قدرته على الإبداع وحلّ المشكلات.
والأفكار الكبرى كثيرًا ما تولد في لحظات السكون، لا في ساعات الضغط.
حتى الجسد البشري صُمّم بيولوجيًا على إيقاع التوازن بين الجهد والاستشفاء.
العضلات تنمو في الراحة، لا أثناء التمرين.
والعقل يترسّخ تعلّمه أثناء النوم، لا أثناء السهر.
فلماذا نُعامل الراحة كخيانة؟
المشهد الرابع: الحكم
(يقف في منتصف الخشبة. الضوء يشتد.)
المتهم:
ربما أنا مذنب…
لكن ذنبي أنني رفضت أن أقيس قيمتي بعدد الساعات التي أبيعها.
رفضت أن أختصر حياتي في منصب، أو راتب، أو بطاقة حضور.
أنا لا أكره العمل…
أنا أرفض عبوديته.
أحلم بعملٍ يحرّر الإنسان بدل أن يستنزفه.
بعملٍ يخلق المعنى، لا القلق.
بعملٍ يكون امتدادًا للروح، لا قيدًا على الجسد.
لأن الحرية الحقيقية…
لا تبدأ حين نتوقف عن العمل،
بل حين نعيد تعريفه.
(ينظر إلى الجمهور طويلًا.)
المتهم:
اسألوا أنفسكم…
هل أنتم تعملون لتعيشوا؟
أم تعيشون لتعملوا؟
(تنطفئ الأضواء. تبقى الساعة وحدها مضاءة… ثم تتحرك للمرة الأولى.)
نهاية
ستار.
