الكاتبة هيا برماوي
رياحٌ في الخارج تنذر بحدوث عاصفةٍ قوية.
نظرتُ إلى ساعتي… كانت الساعة الثالثة فجراً.
ما هذا الأرق؟ لماذا يهرب النوم مني؟
من شدّة ما امتلأتُ بالسهر، أكاد أصبح ليلًا.
دخلتُ إلى المطبخ وأعددتُ قهوتي،
ثم خرجتُ إلى غرفة المعيشة وجلستُ على كرسيٍّ خشبيٍّ مقابل المدفأة.
طرقاتٌ خفيفة على باب منزلي.
انقبض قلبي…
من يطرق بابي في مثل هذا الوقت؟
نهضتُ وفتحتُ الباب… فلم أجد أحدًا.
خرجتُ عدة خطوات، وتلفّتُّ حولي…
لم يكن هناك أحد.
استدرتُ للعودة إلى منزلي،
فوقعت عيني على صندوق البريد.
اقتربتُ منه بهدوء وفتحته…
فوجدتُ رسالة.
حملتُ الرسالة ودخلتُ إلى الداخل،
وجلستُ على الكرسي أقلبها بين يديّ…
ارتجف قلبي عندما قرأت اسم المرسل…
فتحتُها… ويدي ترتجفان.
حبيبتي دليلة،
أكتب لكِ رسالتي هذه بعد أن رفضتُ كل تلك السنين أن تنسيني حبي لكِ.
عشرون عامًا مرّت على الفراق…
وما زلتِ، الغائبة الحاضرة، في قلبي.
حاضرة في كل فنجان قهوة أحتسيه،
بين أوراقي وكتاباتي،
وبين صفحات كتبي.
كتبتُ إليكِ آلاف الرسائل…
حفظتُها في صندوقي، ودفنتُها في سراديب الذكريات.
طال الهجر والانتظار، يا دليلتي.
أشعر روحي تحترق.
أقسم بمن أحلّ القسم…
لم تغيبي عن بالي لحظةً واحدة.
لكن القدر كان أقوى مني ومنكِ…
لم يرحمنا، كما لم يرحمنا أهلنا.
في اليوم الذي هاجرتُ فيه…
تبرأتُ من أهلي، وكل ما قد يجمعني بهم.
لم أعد أرغب في رؤيتهم،
فجرحي منهم لم، ولن، يلتئم.
انتزعوكِ من قلبي وفؤادي عنوة…
لا سامحهم الله ولا غفر لهم.
دليلة…
أنتِ دليلتي، حب طفولتي.
بلغتُ الخمسين من عمري،
وبلغتِ أنتِ الأربعين.
انتصف بي العمر يا دليلة…
لكن عشرين عامًا لم تمرّ مرور الكرام،
بل أخذت من عمري عمرًا كاملًا.
حزني أعمق وأقسى من وصف الحروف والكلمات.
أرفع وسادتي كل يوم…
لأحتضن صورتك وبقايا عطرك.
أرى طيفك كل يوم على باب منزلي…
أفتح الباب بسرعة، فيتلاشى طيفك مع الريح،
فأعود مخذولًا إلى وحدتي، وقهوتي، وذكرياتي.
أكتبكِ في كل ليلة قبل نومي…
وفي صندوقي وضعتُ رسائلك… وقلبي معها.
أُساهر طيفك لأخبره بكل ما يحدث معي.
أقاسمك طعامي كل يوم،
وأضع لكِ طبقكِ على المنضدة بجواري.
وبعدها نحتسي القهوة سويًا أمام المدفأة…
ثم أمسك بيدك لأصطحبك إلى فراشك،
فما زلتُ أذكر أنكِ تخافين من الليل…
تخافين أن تبقي وحدك.
لذا، كل ليلة، أمسك يدكِ
وأمسح على شعرك…
حتى تغفي مطمئنة، مرتاحة البال.
فأستيقظ في الصباح وحدي…
بلا دليلتي، بلا قلبي…
فقط أوجاعي هي من تستيقظ معي.
ليحلّ الظلام من جديد،
فأعود مخذولًا إلى عزلتي وقهوتي…
وذكرياتي…
تسعة وتسعون جرحًا خلّفه حبكِ في قلبي…
أوله وأوسطه وآخره فراقكِ يا دليلة.
دموعي انهمرت بغزارة…
ولم أقوَ على التكملة.
توقفتُ عن القراءة…
لم أستطع إكمال الرسالة.
أدركتُ شيئًا واحدًا:
أنني لم أتوقف يومًا عن انتظاره أيضًا.
نهضتُ بسرعة، حزمتُ أمتعتي،
أخذتُ الرسالة، وتوجهتُ إلى محطة القطار،
قاصدة القرية التي يسكن بها محبوبي
بعد أن هجرها منذ عشرين عامًا.
كانت الساعة تشير إلى الخامسة فجراً.
ركبتُ القطار…
وبعد قرابة خمس ساعات، وصلتُ إلى تلك القرية النائية.
توجهتُ إلى العنوان الموجود على الرسالة،
فذهبتُ إلى منزلٍ ريفيٍّ صغير.
طرقتُ الباب…
ففتح شاب في منتصف العشرينات.
رحّب بي ودعاني للدخول،
فأخبرته أنني على عجلة من أمري.
مددتُ له الرسالة وقلت:
“هل تدلّني على هذا العنوان، أرجوك؟”
نظر إلى الرسالة…
ثم نظر إليّ باستغراب.
وبعد صمتٍ قصير، قال:
“هذا منزل السيد عبد الحليم.”
ارتجف قلبي عندما سمعت اسمه.
قلتُ بحماس:
“هل تعرفه؟”
أومأ برأسه:
“طبعًا… أعرفه، وأحبه جدًا أيضًا.”
تبسمتُ وقلت:
“هل نذهب إليه الآن؟”
قال: “بالطبع.”
سرنا في طريقٍ ترابيٍّ جميل بين الأشجار…
كانت القرية هادئة وجميلة.
بعد قرابة نصف ساعة،
كنا أمام منزلٍ ريفيٍّ صغير، جذاب جدًا.
توجهتُ بسرعة…
وكان الشوق أسرع مني.
طرقتُ الباب، وانتظرتُ…
لكن لم يكن هناك رد.
طرقتُ مرة أخرى…
لكن لا جدوى.
فبدأتُ أصرخ وأطرق بقوة.
حتى اقترب مني الشاب بهدوء،
وأمسك يدي عن الطرق، وقال:
“متى آخر مرة رأيتِ السيد عبد الحليم؟”
انقبض قلبي، وارتعشت أطرافي…
قلتُ:
“منذ عشرين عامًا…”
بقي يحدق بي بصمت…
لا أدري كم من الوقت.
ثم أمسك يدي من جديد،
وسار بي إلى خلف المنزل.
تجمّدت الدماء في عروقي…
وتيبست أطرافي عندما رأيت أمامي قبرًا.
نظرتُ إليه بدهشة وقلت:
“قبر من هذا؟!”
أشار إليّ أن أقرأ ما كُتب عليه.
لم تقوَ قدماي على حملي
عندما رأيت الاسم…
عبد الحليم
وتحته عبارة:
“عشتُ ومتُّ في حب دليلة…
أخبروها أنني لم أنسها يومًا،
وأن الفراق كان أقوى مني ومنها…
أخبروها أن الملتقى في الجنة إن شاء الله،
حيث لا فراق ولا عذاب…
كوني بخير يا دليلة.”
جثوتُ على ركبتي أبكي بنحيبٍ موجع…
ومن بين شهقاتي، شعرتُ وكأن طيفه يربّت على كتفي.
قلتُ بصوتٍ مكسور:
“متى… وكيف توفي؟”
قال الشاب:
“توفي منذ شهر…
والطبيب قال إنه قُتل…
والقاتل… أحزانه.”
صرختُ صرخةً مدوية…
واحتضنتُ نفسي، وقلبي يعتصر ألمًا.
كيف توفي منذ شهر…
ورسالتُه تصلني أمس؟!
فتحتُ الرسالة، وقرأتُ ما تبقّى منها:
“أشعر أن الموت يقترب مني…
أشعر بحنينٍ كبير إليكِ… إلى ماضينا معًا.
لا أدري لماذا أشعر أن العمر بات قصيرًا…
اكتبي لي يا دليلة…
فلم أعد أقوى على الفراق.
دعينا نلتقي لمرةٍ واحدة…
وإن لم يكن للقاء، فليكن للوداع.
أريد أن أودعك كما يليق بحبك…
أريد أن أبكيك كثيرًا…
أيامًا، وشهورًا، بل سنينًا.
من مثلكِ يا دليلة لا يُنسى…
ولو مرّ على غيابه ألف عام.”
محبوبك المخلص دائمًا،
عبد الحليم
احتضنتُ ما تبقى منه…
رسالتَه، حروفه، وعطره…
ودموعي تبلل الورق.
نظرتُ إلى الشاب وقلت:
“كيف توفي منذ شهر…
ورسالتُه وصلتني أمس؟”
تنهد وقال، وعيناه تلمعان بالدموع:
“لقد أعطاني هذه الرسالة عند وفاته…
كنتُ أزوره كل يوم.
طلب مني أن أوصلها لكِ،
لكنني لم أقوَ على إخباركِ بوفاته.
كنت أعلم أنكِ أعظم ما في حياته…
حبه الذي لا يُنسى.
لكن… أمس… رأيته في منامي.
كان حزينًا…
وقال لي: لماذا تأخرت؟
دليلتي تنتظر رسالتي…
وأنا أنتظر زيارتها.
فذهبتُ إليكِ فورًا…
وتركتُ الرسالة في بريدك.”
لم أدرِ ماذا أقول…
شعرتُ أن الكون كله لم يعد يتسع لي.
ضربات قلبي تتسارع…
وأنفاسي تتقطع.
توجهتُ إلى قبره…
احتضنته، وبكيته من كل قلبي.
بكيتُ حبًا دام عمرًا كاملًا…
وبكيتُ قلبي وقلبه…
اللذين كانا ضحية الأهل.
وبكيتُ سنين العمر
التي مرت دون أن نلتقي.
ودعته…
وداعًا يليق بحبه.
احتضنتُ الرسالة،
وسرتُ أحمل معي أوجاعي وخذلاني…
حتى وصلتُ إلى باب منزله.
قلتُ للشاب:
“هل مفتاح المنزل معك؟”
أومأ برأسه، وأخرجه من جيبه.
تناولتُ المفتاح،
وفتحتُ الباب بيدين ترتجفان.
دخلتُ…
وأنا أقلب نظري في المكان.
كان المنزل في غاية الدفء والجمال.
توجهتُ إلى المنضدة…
فرأيتُ رسائل كثيرة،
كلها تحمل الاسم ذاته:
“إلى دليلتي…”
اقتربتُ من المكتبة،
فوجدتُ صندوقه الذي تحدث عنه.
فتحته بهدوء…
فرأيتُ رسائله.
بكيتُ من جديد…
لكن هذه المرة،
لم تكن عيناي من تبكي…
بل قلبي.
أغلقتُ الصندوق واحتضنته…
ثم توجهتُ إلى باب المنزل،
ونظرتُ إلى الشاب الذي كان ينتظرني في الخارج، وقلت:
“هل تُحضر لي بعض القهوة
التي كان يشربها عبد الحليم؟”
نظر إليّ باستغراب، ثم قال:
“طبعًا…”
قلتُ له:
“عندما تعود… افتح الباب وادخل.
ستجدني هنا…
في منزلي الجديد.
سأعيش في هذا المنزل…
حتى أتوفى…
لتدفنني بجانب عبد الحليم.”
لم يتفوه بكلمة…
ورحل بصمت.
أغلقتُ الباب خلفه…
ودخلتُ إلى المنزل بهدوء.
كلّ شيءٍ جاء… متأخرًا.
شعرتُ أنني وصلتُ أخيرًا…
بعد انتظارٍ دام عشرين عامًا.
