سردية الواقع



بقلم: د. محمد مشكور رحمن

ترجمة تغريد بو مرعي

(إهداء إلى الشاعر والفيلسوف: شيكدار محمد كبرياه)


 في إطار التبادل الثقافي والأدبي بين اللغات والحضارات، أقدّم إلى القارئ العربي ترجمة قصيدة «سردية الواقع» للشاعر البنغلادشي الدكتور محمد مشكور رحمن، إلى جانب المقال الفلسفي للكاتب والشاعر والفيلسوف البنغلادشي شيكدار محمد كبرياه، واللذين يتناولان إشكالية الواقع والمعرفة من منظور فلسفي وإنساني عميق. وقد سعيتُ، بوصفي الشاعرة والمترجمة اللبنانية-البرازيلية تغريد بو مرهي، إلى نقل النصَّين إلى العربية بروحهما الفكرية والجمالية، حفاظًا على أبعادهما التأملية واللغوية، وإيمانًا مني بأهمية الترجمة بوصفها جسرًا للحوار بين الثقافات والشعوب.


يمضي في دروب المعرفة، حيث يلتقي العارف بالمعلوم،

وبين العقل والمادة يمتدّ بحثٌ أزليّ لا ينتهي؛

فمنهم من يرى أن الحقيقة كامنة في المادة وحدها،

وإن ظلّ الوعي موصد الأبواب،

ومنهم من يقول إن العقل هو الأصل،

وأن العالم ليس سوى انعكاس لمعرفته.


فنحن لا ندرك عبر الشكل والطعم والرائحة واللمس

إلا المظاهر الخارجية للأشياء،

أما جوهر الكينونة الكامن في الأعماق

فيبقى صامتًا مستترًا.

والعقل والتجربة يظلان في جدال دائم،

غير أن اتحادهما يكشف إشعاع الحقيقة.


وقال هِغل: إن العالم هو تجلّي الوعي،

وإن الطبيعة ومسار الحياة

محكومان بقوانين العقل؛

فالواقع والمثال يتدفقان معًا

في مجرى أبديّ من التطور،

ومن خلال الصراع يتحقق الانسجام والتكامل.


لذلك، فالحقيقة ليست في المادة وحدها،

ولا في العقل وحده،

بل في اتحادهما

تتجلّى حكمة الإنسان ووعيه الكامل.


سوبوج باغ، سيلهيت

25 مايو 2026

-----

مقالة: بحث فلسفي في الواقع


بقلم: شيكدار محمد كبرياه – بنغلادش


المعرفة هي العلاقة المتبادلة بين العارف (الذات) والموضوع المعروف. أما ماهية الشيء فهي ما يُسمّى بالكينونة أو الواقع. وبعبارة أبسط، فإن معرفة الشيء هي عين الواقع. لكن هل يمكن فعلًا معرفة الواقع أو ماهية الأشياء معرفة حقيقية؟ وهل نستطيع إدراك جوهر الأشياء كما هي؟


لقد انقسم الفلاسفة حول السؤال الأساسي: هل الموضوع المعروف مستقل عن العقل، أم تابع له؟

ففريق يرى أن الأشياء تعتمد في وجودها وماهيتها على العقل والمعرفة، وهؤلاء هم المثاليون.

أما الفريق الآخر فيرى أن الأشياء موجودة استقلالًا عن العقل والوعي، وهؤلاء هم الواقعيون أو الماديون.


وتُظهر دراسة تاريخ الفلسفة أن المذهب المادي سبق المثالية، غير أن المادية الحديثة ظهرت أساسًا كردّ على المثالية ومحاولة لنقضها.


يرى الواقعيون أن المعرفة تحتاج إلى موضوع خارجي، وأن هذا الموضوع هو الذي يحدد المعرفة، وليس العكس. أي إن وجود الأشياء لا يعتمد على إدراك الإنسان لها. فالشيء موجود بذاته حتى لو لم يكن موضوعًا للمعرفة.


ووفقًا للواقعية الساذجة، فإن للأشياء وجودًا مستقلًا، وإن صورها في أذهاننا هي نسخ مطابقة للواقع الخارجي. فنحن نعرف خصائص الأشياء من شكل ورائحة وطعم وحجم وكثافة عبر الحواس مباشرة، ولذلك فإن معرفتنا تعبّر عن حقيقة الأشياء كما هي.


لكن بعض الواقعيين، رغم اعترافهم بوجود الأشياء المستقل، يرون أننا لا نستطيع معرفة جوهر الشيء، بل نعرف صفاته فقط. فمثلًا، يمكن إدراك لون الوردة ورائحتها وملمسها، لكن جوهر “الوردة في ذاتها” يظل مجهولًا.


وقد اختلف الواقعيون أنفسهم حول طبيعة هذه الصفات؛ فبعضهم رأى أنها مستقلة عن المعرفة، وبعضهم اعتبر بعضها تابعًا للإدراك العقلي.


أما الفيلسوف البريطاني جون لوك فقد رأى أننا لا ندرك الأشياء مباشرة، بل ندرك الانطباعات التي تتركها في الذهن عبر الحواس. ومن ثم فإننا لا نعرف جوهر الأشياء الحقيقي.


بينما عارض الواقعيون الجدد هذا الرأي، ودافعوا عن الإدراك المباشر للأشياء، رغم أنهم افترضوا وجود "واسطة محايدة" بين الذات والموضوع دون أن يتمكنوا من تفسير طبيعتها تفسيرًا واضحًا.


ومن جهة أخرى، يرى الواقعيون النقديون أننا لا نعرف الأشياء مباشرة، بل عبر وسائط. فلو كانت الأشياء تُعرف مباشرة لما وقع الخطأ أو الوهم، مثل رؤية الحبل أفعى في الظلام. كما أن اختلاف الناس في إدراك الشيء الواحد يدل على أن المعرفة ليست مباشرة تمامًا.


أما المثاليون، فيعتقدون أن وجود الأشياء يعتمد على العقل والوعي، وأنه لا وجود لشيء خارج الإدراك العقلي. فقد رأى سقراط أن المعرفة ذات طبيعة عقلية، بينما اعتبر أفلاطون أن العالم الحسي مجرد ظل لعالم المثل الحقيقي.


وكذلك أنكر فلاسفة مثاليون مثل لايبنتس وجورج باركلي وإيمانويل كانط وفيخته وشيلينغ استقلال المادة عن الذهن.


ويقول باركلي إن الوجود مرتبط بالإدراك، فما لا يمكن إدراكه لا وجود له. أما كانط، فقد رأى أن المعرفة لا تقوم على العقل وحده ولا على التجربة وحدها، بل على اتحادهما. وميّز بين "الشيء كما يظهر لنا" و"الشيء في ذاته"، معتبرًا أن جوهر الأشياء الحقيقي يظل غير قابل للمعرفة.


ومن خلال هذا النقاش يتضح أن الواقعيين يرون وجود الأشياء مستقلًا عن العقل، لكنهم يشككون في إمكانية معرفة جوهرها الكامل. بينما يرى المثاليون أن الأشياء قائمة في الوعي، غير أن المعرفة الفردية تختلف من شخص إلى آخر، مما يجعل الوصول إلى معرفة مطلقة أمرًا صعبًا.


وهنا يأتي الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل ليطرح رؤيته في "المثالية الموضوعية"، إذ يقول: "كل ما هو عقلي هو واقعي، وكل ما هو واقعي هو عقلي". فالعالم عنده تجلٍّ للوعي المطلق، والعقل يحكم الطبيعة والتاريخ معًا.


ويرى هيغل أن الذات والموضوع، والروح والمادة، ليست متناقضات منفصلة، بل مظاهر مختلفة لحقيقة واحدة هي "الروح المطلقة". ومن خلال الجدل الديالكتيكي القائم على الفكرة ونقيضها ثم تركيب جديد بينهما، يتطور العالم وتتحقق المعرفة.


وقد اتجهت بعض التيارات الفلسفية الحديثة، كالوضعية المنطقية والبراغماتية والوجودية، إلى رفض الميتافيزيقا والتركيز على التفسير العلمي المحض للعالم. غير أن هذا التوجه، إذا انفصل عن القيم المثالية الكبرى كالحق والخير والجمال، قد يهدد التوازن الأخلاقي والإنساني للحضارة.


وخلاصة القول إن التجربة وحدها لا تكفي للمعرفة، كما أن العقل وحده ليس كافيًا أيضًا. فالعالم يتطور عبر تفاعل هذين البعدين معًا. لذلك فإن الواقع ليس ذاتيًا خالصًا ولا موضوعيًا خالصًا، بل هو مفهوم موحّد يجمع بين الإنسان والعالم في علاقة تكاملية متبادلة.



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology