بقلم الكاتب والمؤلف / عمر قاسم أسعد
إن الصراع الذي يدور داخل ذواتنا هو صراع أزلي بين أقانيم الذات ، حيث يحاول كل أقنوم أن يتسيد على الذات من خلال إبراز مكامن القوة والسيطرة على باقي الأقانيم .
صراع من أجل الشهرة ، صراع من أجل مركزية العلاقات الاجتماعية ، صراع من أجل الانتقام والتدمير ، صراع شهوة الجسد ، صراع من أجل المال ، صراع محوره الغيرة والحسد ، ونادرا ما نجد صراعا يؤدي بنا للوصول إلى تحقيق حالة من التوافق .
في رواية ( ظلال رقمية ) تفقد الذات نفسها في محاولة منها للسيطرة على العقل الواعي لتترك المجال للعقل الباطن أن يقود الذات الانسانية إلى مسارات لم يكن للعقل الواعي أن يسير بها.
الاحباط والحياة التي يشوبها القلق وعدم التوافق . بروز سمات قاسية . البحث عن الهدوء والطمأنينة . بروز ظواهر (الحسد ، التنمر ، التسلط ، الانتقام ) .
تذكرنا الرواية أن الأم تمثل حالة من الجيل الذي يتسم بالهدوء والحب والطبيعة الجاذبة ، الأم هي جيل النقاء الذي يحاول ان لا تشوبه شائبه أو أن تلوثه الحداثة في ظل هذا التطور الهائل من التكنولوجيا ووسائل التواصل .
( الأم ) هي حالة من الواقع الذي عشناه وعلينا أن نستمر في تقبل واقعنا وإن جاز لنا أن نغير قليلا من هذا الواقع فإن التغيير بلا شك هو تغير ايجابي لا ينسلخ عن واقعنا الذي يمثل العادات والتقاليد والعرف السائد
( جوري ) التي تعاني من صراع داخلي يكاد يدمر حياتها حيث ترفض الواقع الذي تعيشه وتتمرد لخلق عالم افتراضي ترسخ في ذهنها من خلال التأثر بالكثير من شخصيات ( السوشل ميديا ) حتى وصل الأمر بها لعدم تقبل ملامحها والتلاعب بها لتظهر أكثر جمالا من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي الذي أصبح سمة من سماتها وبات يتحكم في طريقة كيفية ظهورها للأخرين .
لم تعد تثق برأيها لأنها تلجأ للذكاء الاصطناعي تستمد الكثير من الافكار التي تتعلق بالجمال والملابس والمكياج وحتى ملامح وجهها ، إن التغيير في الملامح والانتقال إلى صور مختلفة هو إيحاء من العقل الباطن لتحقيق المزيد من انزواء الجوهر واستبداله بشكل يحقق مزيدا من التحرر من القيود التي يفرضها المجتمع مما يؤدي إلى الشعور بالتحرر من كل الشوائب العالقة في ذهنها .
إنها الشخصية الافتراضية التي تخلت عن اسمها بمحض ارادتها وأضاعت ذاتها الحقيقية والتي حتما ستؤدي بها إلى الانغماس في الوهم واحلام اليقظة والسراب وتمنحها المزيد والمزيد من التخيلات لإشباع غرائز الذات ، هي مفتاح للدخول إلى عوالم أخرى لم تكن الشخصية الحقيقية تتوقع الوصول إليها من إنكار الذات الحقيقية أمام الذات الوهمية الافتراضية .
( جوري ) صراع بين شخصيتين ، صراع داخلي يؤدي إلى تدمير الذات الانسانية المتكاملة ، أنه انتصار الذات الوهمية على الذات الانسانية الواقعية .
وعلينا أن نعترف ان الذكاء الاصطناعي قد انساب في الكثير من مفاصل هذا الجيل حتى انه تغلغل في المنظومة الوجدانية والتي هي ما تبقى لنا كذات انسانية لتقف الذات عاجزة عن ترجمة مشاعرها واللجوء إلى الذكاء الاصطناعي .
( سهى ) التي تعيش حياة القلق حياة معقدة متوترة واللامبالاة فيها جزء أساسي من نمط حياتها ، تفقد العاطفة من الأب والأم ، هذه الحياة أدت إلى بروز سمات قاسية وعلى الرغم من محاولاتها البحث عن حياة أفضل وأن تعيش بطمأنينة إلا أن ذلك هو أيضا صراع داخلي يقودها ألى ما ألت إليه تصرفاتها .
و( ليلى ) تلك الفتاة الواقعية التي تحاول أن ترى نفسها جميلة لتعكس رؤيتها على كل من حولها لتبث بعضا من ابتسامنات وفرح .
لا شك ان الفقد والحزن والألم والمعاناة يؤدي للكثير أن يبحث عن أشخاص لفهمهم وتقبلهم كما يريدون
ولكن علينا أن ندرك ان التعاطف والشعور بالألم والمعاناة ليس بالضرورة أن يكون صادق إذ ربما يكون خطوة أولى وتمهيدا إلى الدخول بعمق الأخرين وبدء استغلالهم بكل قسوة .
بدأت أحداث ( ليلى ) بالعقل الواعي ليتم استبداله بالعقل الباطن ليقودها إلى طريق أخر بوهم الحياة الوردية من خلال دفء الكلمات وإظهار المشاعر ، وعلى الرغم من أن العقل الواعي أثار تساؤلات حول العلاقة إلا أن السيطرة كانت للعقل الباطن الذي قادها إلى بداية طريق مظلم وتلاحق ضوءا باهتا وكلما اقتربت منه ازداد بعدا .
ويبقى السؤال المحوري والعميق إلى متى يبقى التضاد ما بين الحياة الواقعية والعالم الافتراضي قائما ؟؟؟
وسؤال أخر لا يقل أهمية . كم من (( عماد )) يعيش بيننا ونحن من نسمح له بامتلاك الكثير من أسرارنا . كم من ( عماد ) لم نكتشفه بعد ؟؟؟
ويبقى الصراع بين جمال الجوهر الذي يمثل الذات بكل اقانيمها وبين جمال الشكل الذي يمثل الجسد
ويبقى الصراع بين ما هو كائن وما نتمنى أن يكون
ويبقى الصراع قائم بين ما هو لي وما يجب أن أمتلكه
ويبقى الصراع قائم بين الذات الانسانية الحقيقية وما بين الشخصية الافتراضية الوهمية
وعلينا أن ندرك تماما أن ( المرآة ) ليست تلك التي نعلقها على جدران منازلنا لنشاهد مراحل تطور جمالنا ، بالتأكيد نحن نرى بعضا من جمال خارجي شكل بلا جوهر ، نحن لا نرى من خلال المرآة إلا القشرة التي نسعى جاهدين لتزيينها وزخرفتها بالملابس والطلاء والألوان وبعضا من الاكسسوارات ، (المرآة ) يجب أن تكون ذاتنا الحقيقية بكل أقانيمها النقية .
المرآة هي الروح الداخلية التي تنير الطريق لأن نعيش بحب وسلام ...
المرآة هي أنا التي يجب أن تكون كما هي
والرواية إذ تنير لنا الطريق لتعيدنا إلى الذات كما هي بدون تجميل أو تصنع بدون نفاق وكذب ومن خلالها علينا أن لا نلغي عقلنا الواعي من خلال اللجوء للذكاء الاصطناعي الذي حتما سيلغينا .
إن العودة إلى الذات بعد سلسة من التجارب التي يجب أن نتعلم منها الدروس . لنعود إلى ذواتنا كما هي نتقبلها دون خوف أو قلق أو توتر
العودة إلى الذات بجمالها الحقيقي الذي يجب أن يكون
العودة إلى الذات هي العودة إلى مرآة دواخلنا لنعكس الصورة الأجمل والأنقى والأروع
العودة إلى الذات للانعتاق والحرية والانطلاق إلى عالم فيه جمال وحب وإنسانية ...
