حدودٌ افتراضية



بقلم الكاتبة الصحفية/ سهام فودة 


في هذا الزمن

 المزدحم بالشاشات، لم تعد العلاقات تُطرق بالأبواب، بل بالإشعارات.

أصبح الاقتراب يتم بضغطة زر، والفضول يرتدي ثوب “الاهتمام”، والتطفل يختبئ أحيانًا خلف كلمات لطيفة وصورٍ منمّقة ورسائل تبدأ بعفوية وتنتهي بمحاولة اقتحام كاملة لمساحات لا يحق لأحد الدخول إليها.

لقد قرّبت مواقع التواصل المسافات بين البشر، لكنها في المقابل كشفت هشاشة الوعي لدى البعض، وأظهرت كيف يمكن لوسيلة صُممت لتبادل المعرفة والثقافة أن تتحول عند فئة من الناس إلى ممرٍ غير شرعي لعبور الحدود الإنسانية دون استئذان.

المشكلة الحقيقية لم تعد في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدام البشر لها.

فهناك من يظن أن قبول طلب الصداقة دعوة مفتوحة للتواجد الدائم، وأن التفاعل مع منشور يعني رغبة ضمنية في التقرب، وأن الرد اللطيف على تعليق هو بداية لعلاقة شخصية يجب أن تتطور رغماً عن الطرف الآخر.

وكأن “السوشيال ميديا” ألغت فجأة مفهوم الخصوصية، وجعلت الجميع متاحين طوال الوقت للحديث، والتفسير، والتبرير، والرد، والانخراط في علاقات لم يختاروها من الأساس.

والحقيقة أن أكثر ما يميز الإنسان الواعي رقميًا، ليس حضوره المستمر، بل إدراكه العميق للمسافات.

فالعقول الراقية تعرف جيدًا أن الاحترام لا يحتاج إلى اقتحام، وأن الإعجاب بالفكر لا يمنح حق التملك، وأن متابعة شخص أو تقدير محتواه لا يعني امتلاك تصريح للعبور إلى تفاصيل حياته الخاصة.

هناك فرق هائل بين التواصل الإنساني الناضج، وبين التسلل العاطفي المغلف بالمجاملات.

فبعض الأشخاص يبدأون الطريق بإعجاب عابر، ثم يصنعون في خيالهم علاقة كاملة من طرف واحد، ينسجون التوقعات، ويرسمون الأدوار، ثم يغضبون لأن الواقع لم يشبه أوهامهم.

وهنا تحديدًا تبدأ الكارثة النفسية والاجتماعية التي صنعتها العلاقات الافتراضية غير الناضجة.

إذ يتحول اللطف إلى سوء فهم، والصمت إلى اتهام، وعدم الرد إلى معركة كرامة، وكأن الناس فقدوا قدرتهم على تقبل فكرة بسيطة جدًا وهي أن لكل إنسان حقًا أصيلًا في مساحته الخاصة.

لقد أصبح من الضروري اليوم أن نتعامل مع وسائل التواصل باعتبارها مساحة عامة وليست امتدادًا قسريًا للحياة الشخصية.

فالإنسان ليس ملزمًا بأن يفتح قلبه لأنه فتح حسابًا إلكترونيًا، وليس مجبرًا على مشاركة تفاصيله لأنه يشارك أفكاره، وليس مطالبًا بالرد الدائم لأنه متصل بالإنترنت.

والمؤلم أن البعض يمارس نوعًا جديدًا من الضغط العاطفي الإلكتروني، فيراقب أوقات الظهور، ويتتبع التفاعلات، ويفسر الصمت، ويمنح نفسه حق العتاب والغيرة والمحاسبة دون أي علاقة حقيقية تسمح بذلك.

وهذه ليست مشاعر بريئة كما يظن البعض، بل انعكاس خطير لغياب الحدود النفسية، وضعف النضج الإنساني، والخلط بين التواجد الرقمي والارتباط الحقيقي.

الإنسان الراقي لا يفرض نفسه على أحد، ولا يقتحم حياة الآخرين تحت اسم “العفوية”، ولا يختبر مكانته برسائل متكررة، ولا يحاول لفت الانتباه بالضغط والإلحاح.

بل يترك أثره بخفة، ويحضر بذوق، وينسحب بأدب حين يشعر أن وجوده غير مرحب به.

فالهيبة الحقيقية ليست في كثرة الحضور، بل في جودة الأثر.

وأجمل العلاقات هي تلك التي تقوم على الراحة والاحترام والتوازن، لا على المطاردة الرقمية وسوء التأويل.

لقد صنعت السوشيال ميديا عالمًا سريعًا، لكنه للأسف جعل بعض الناس يستهلكون المشاعر كما يستهلكون المحتوى، بلا وعي، وبلا حدود، وبلا إدراك أن خلف كل حساب إنسانًا له ظروفه، وطاقته، ومساحته النفسية، وحقه الكامل في أن يقترب أو يبتعد كما يشاء.

ولهذا أصبح “الوعي الرقمي” اليوم أحد أهم أشكال التربية الحديثة.

فالإنسان المتزن لا يُعرف فقط من طريقة حديثه، بل من احترامه للمسافات، ومن فهمه العميق أن الخصوصية ليست غرورًا، وأن الهدوء ليس تجاهلًا، وأن عدم الرد أحيانًا ليس إهانة، بل حق طبيعي لا يحتاج إلى تفسير.

وفي النهاية، ستبقى أكثر الشخصيات رقيًا على مواقع التواصل هي تلك التي تعرف كيف تمر بخفة دون أن تؤذي، وكيف تعبّر دون أن تفرض نفسها، وكيف تحترم حدود الآخرين حتى في أشد لحظات الإعجاب والاهتمام.

لأن الاحترام الحقيقي في العالم الافتراضي لا يبدأ من الكلمات الجميلة، بل من فهم معنى “الحدود”.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology