د. عدنان عويّد"
ثالثاً : التأويل عند المتصوفة:
يأتي التأويل عند المتصوفة أسلوب نظر لكشف المعاني الباطنية للنصوص الدينيّة (القرآن والحديث) عبر "الذوق" والفتح الروحي، حيث يتجاوز هذا الأسلوب التفسير الحرفي الظاهري. للغوص نظراً في النص المقدس ودراك أو معرفة الحقائق الإلهيّة عبر الرمز والإشارة، وذلك من خلال ربط ظاهر النص بباطنه في تجربة معرفيّة وجدانيّة (ذوقيّة - عرفانيّة), تصل العارف بالله، وهذا ما يجسد رحلة العبور من "حرف" النص إلى "حقيقته"
الفرق بين الظاهر والباطن:
يعتبر المتصوفة أن للقرآن ظهراً وبطناً، والتأويل هو الغوص في الباطن الذي لا يدركه إلا "أهل الكشف". أي أهل المعرفة الذوقيّة. فالتأويل الصوفي لا يعتمد هنا على العقل والمنطق فحسب، بل على الذوق والقلب والروح، مما, هذا ما يجعله تجربة فرديّة مباشرة.
أما اللغة الرمزية: فالمتصوفة يستخدمون لغة رمزيّة وإشارات تعبر عن الحقائق الروحيّة الدقيقة، ويصبح التأويل ضرورياً لفهم هذه الرموز.
أهداف التأويل الصوفي:
1- الوصول إلى الله: وتتجسد في تجربة الحب الإلهي والفناء في الله.
2- التأسيس الشرعي: أي إثبات أن التصوف امتداد لعمق الشريعة.
3- كشف الرموز: أي فك رموز اللغة الصوفيّة المجازيّة.
هذا ويعتبر "محيي الدين بن عربي" من أبرز من أسسوا للتأويل الوجودي والمعرفي، حيث يرى النص الديني قابلاً للتأويل بناءً على التجربة الذوقيّة، والجمع بين المعرفة العقليّة والروحيّة. (1).
أمثلة على التأويل عند المتصوفة:
قلنا إن تأويل النص القرآني عند المتصوفة هو "علم الباطن" الذي يتجاوز الدلالة الظاهريّة (التفسير), إلى إشارات خفيّة تدرك بالذوق والكشف الروحي، من خلال تحويل الآيات إلى رموز تعبر عن تجاربهم الوجوديّة، مثل تفسير "الخضراء" بالقلب و"البحر بالعلم.". هذا ويعتمد هذا المنهج على البحث عن باطن المعاني، ويرتبط بمقامات السالكين إلى الله.
ومن الأمثلة البارزة على تأويل النص القرآني عند المتصوفة:
تأويل الآيات الكونية مثل (قصة موسى) مثلاً:
تأويل: ﴿وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (طه: 12): يؤولها الصوفيّة بأنها "اخلع" الدنيا والآخرة من قلبك، أو اخلع هواك ونفسك، لتبقى لله خالصاً.
أو تأويل: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (طه: 12): عند بعضهم (كالقطب الشاذلي) على أنها إشارة إلى "الوحدة" وأن المتحدث والسامع في مقام "الفناء" واحد. أو ما يسمى بالتوحد كما هو الحال عند الحلاج بقوله: (وما في الجب إلا الله).
وهنا تأويل قصص الأنبياء مثل (قصة يوسف):
حيث يتم تأويل "يوسف" عليه السلام رمزياً, على أنه رمز للجمال الإلهي المطلق، أو الروح، أو "الإنسان الكامل".
وهناك تأويل "الجب" : حيث يمثل عالم المادة أو البدن.
وهناك تأويل "الرؤيا": وهي الكشف عن الحقائق الغيبيّة.
تأويل آيات الصفات والوجود:
مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16). ويؤولها الصوفيّة كدلالة على "وحدة الوجود" (ابن عربي)، حيث لا يرى المتصوف وجوداً حقيقياً إلا الله، وأن القرب هو قرب الذات، لا قرب مكان.
وتأويل:﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعراف: 143): يؤولونه بأن (الميقات) هو "حضور القلب"، وأن تكليم الله هو "الوحي الباطني" الذي يقذفه الله في قلب العارف.
تأويل الأحكام والعبادات:
مثل الصلاة: لا يكتفي المتصوف بأركانها الظاهرة، بل يؤولها بأنها "معراج" الروح إلى الله، وأن الخشوع هو "الفناء" في المحبوب.
أما الحج: فيؤولونه بأنه "طواف القلب" حول حضرة الحق، وليس فقط طواف البدن حول الكعبة.
تأويل الحروف المقطعة:
يغوص المتصوفة مثل (ابن عربي) في تأويل الحروف مثل (الم، الر، طسم) معتبرين إياها أسراراً إلهيّة ورموزاً لمراتب الوجود، والأسماء الإلهية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله والراسخون في العلم.
ملاحظة: يفرق الصوفية بين "العبارة" (الظاهر) و"الإشارة - الباطن" حيث يأت في الظاهر التفسير لعامة المؤمنين، والإشارة لخاصة الخاصة.(2).
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1- المعرفة الصوفية والتأويل: المرجعية، النسق، والسياق- الرابطة المحمدية للعلماء – المغرب – د. محمد حلمي.
2- العملية التأويل في النص الصوفي -
