"الانتظار كعتبة مرادفة لحياة الأجساد الفاقدة بعد المحن" قراءة من منظور نفسي واجتماعي لرواية "الانتظار"للكاتبة دلال عروس

 


بقلم الناقدة والكاتبة ريم محمد



عن الفكرة 


قال جبران خليل جبران عن الانتظار في فلسفته كحالة من "التعلق بين الأرض والسماء"، حيث يراه إما لوناً من ألوان السعي الجمالي للحياة ("إننا نعيش لنهتدي إلى الجمال وكل ما عدا ذلك هو لون من ألوان الانتظار")، أو يرفضه كقيد يقتل النفس.. 

"تعلمت من الانتظار أن لا أنتظر سوى رحمة ربي"

 


توطئة: 


الانتظار مرهق وهو امتداد للخيبات، يجتزىء من الروح مفرداتها التي تواكب الأحزان وقد تقرر بعد ذلك بتر أو أذى لللأعضاء جسدياً كان "كإعاقة كرم ومرض ربيع" أو روحياً"كخيبات عنان ووائل وتالا"

نفقد عزيز فننتظر غير مصدقين ومشدوهين تعاقب الأيام لزوال الألم فيصفعنا القدر بملمات أخرى وأخرى وتتوالى الصباحات وتتوالد ليبقى الانتظار عتبة لارجوع بعدها ولا نسيان وإنما اجتياز للأيام مشفوع بالذكرى والاعتياد. 


ننتظر الحبيب والشفاء والدواء، ننتظر الصفح والغفران،  ننتظر الربيع بعد الشتاء، ننتظر الولد المسافر والغائب ننتظر الشهادة ننتظر الزواج والحب فكل شخص ينتظر مايعاكس ألمه وتوقه إلى هدفه.. 

فهل كان الانتظار مشفوعاً بالفرح؟ 

هل وصل الإنسان للرضى والسعادة؟ 


في سردية اجتماعية إنسانية نفسية تعتمد الفواصل الوجدانية "كرسائل أو خبايا ذكريات أو قصاصات مروية" تعيدنا مع حبكة متماهية أسرية واجتماعية إلى سلاسل الغفران، الغفران للذات للروح للصديق للأخ للأم للأب للمجتمع للكوارث للحيوانات الأليفة، كلها ارتبطت وجدانياً وزمكانياً مع الإنسان ذلك الجبار الذي عصفت به الملمات حتى تساقط كوريقات الخريف ابتداءً من شهر أيلول ثم غسلته الذنوب والاستغفارات حتى تهاطلت عليه مع عواصف كانون. 


فهل وصل هذا الإنسان المعذب إلى مرحلة الانعتاق من آلامه؟ 

هل وجد عزائه في حضن أمه أو في حبيب آخر عانى ماعاناه حتى انعتق هو الآخر؟ 

هل يشفع توالد الأيام ويشفي تلك الجراحات النازفة؟ 


عن الرواية:

 

في ٨١ صفحة صادرة عن دار توتول والفائزة بمسابقة النشر عام ٢٠٢٤. تجيبنا هذه النوڤيلا عن السؤال الوجودي الذي يلاحق الإنسان منذ القدم وبخاصة عندما تدهمه الملمات "ثم ماذا؟  وإلى متى؟" 

بحبكة بديعة وبلغة شاعرية تدخلنا دلال في ثيمتها الحزينة لننهل قسطاً من انتظارات أبطالها، نتألم معهم ثم ننتظر تكشف الأحداث محاولين ربط الخيوط التي تنتهي كلها بالانتظار والمكاشفة والألم.. 


"كرم وربيع ووائل وعنان وتالا والأم والجيران ورغداء وقبلهم الزوجة الحامل وشريف وغيرهم كلهم عانوا وتألموا وفقدوا وانتظروا منهم من أنهى انتظاره بفناء جسده المعذب بالانتظار ومنهم مازال ينتظر.


حبكة تعتمد على تركيز الحدث بالاستذكار أحياناً وبالرسائل في أحايين أخرى، تربط تلك الفجوات الحسية بركائز واقعية من كوارث "زلزال سورية الذي أفقد كرم زوجته وطفله المنتظر ومنزله وأفقد عنان خطيبها  وأفقد وائل شقيقه وأفقد المحيط الهادئ سكانه" وحوادث سير وفقد أفقدت رغداء ابن اختها ورباطة جأشها و من أمراض أفقدت كرم شقيقه ربيع وأفقدت تالا حبيبها والأهم أفقدت الأم و الأسرة ذلك السند الذي عولوا عليه وانتظروه كثيراً. 


الانتظار كثيمة سردية:

 

قد ربطت وشائج وخيوط السرد وطرحت بين ثنياتها مشاكل اجتماعية ونفسية عالقة ومتوارثة 


طرحت السردية مشكلة انتظار المولود الذكر وتفضيله على الأنثى ومايلحق ذلك من أذى نفسي ومجتمعي ينال كل أفراد الأسرة كحالة أسرة تالا، كما أنها طرحت مشاكل الحروب والدمار "كحرب لبنان وفقدان العوائل الكاملة مما اضطرها للهجرة" ومشاكل الطمع والخلافات بين الأشقاء وألمحت لمشاكل المقامرة و مشاكل الغربة وإهمال الأهل والوحدة المرافقة والألم، ومشاكل الكوارث التي تبتدأ بالزلازل والهزات ولا تنتهي بفقد الأحباء، ثيمة نفسية أخلاقية ومجتمعية. 


وتجينا هذه الرواية عن القدر والمقدرة فتعطينا البراهين الواجبة على أن نقاط خلافاتنا والتي كنا نظن أنها مستحيلة الحل والغفران ماهي إلا مشاكل آنية واهية تجاه عظمة الكوارث والخطوب والرزايا، فالموت أو انتظاره كفيل بإزالة كل العوالق، ثم إن العجز المرافق للفظائع الكبرى يظهر لنا ضعف الإنسان وقلة حيلته وخياراته الخاطئة وتعنته الغير مبرر كما حصل مع زوجة كرم وتعنتها مع زوجها ورفضها وجود الكلب جاكو كحيوان أليف،  أثبتت المصيبة تلك عبثية التعنت وخطورة الغضب،  "الكلب الوفي كان المنقذ والمخلص". 


مهارة استعمال الرسائل أو القصاصات في المتن السردي: 


استعملت دلال اللغة الشاعرية المؤثثة والرابطة كفواصل حدثية، ذكرتنا أحيانا بمراسلات" كافكا وميلينا" أو" مي وجبران "وبخاصة تلك المراسلات التي كانت بين" ربيع وتالا" 


تقول في صـــ٥٨

" تالا... 

ألف سلامة ياوجعي،  ألف هناء لروحك النقية، أرجو تفصيلاً أكثر عن حالتك،  فالشك يتاجر بصلابتي وتجلدي. قبلاتي لك دائماً. أترقب عودتك".. 


عمل سردي إنساني يحرك المشاعر ويسرد وقائع الإنسان مابعد الكوارث والملمات بطريقة سردية اعتمدت الفواصل 

 



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology