بقلم الشاعرة لمى المقداد
أكبرُ كمينٍ نسجه التاريخ في ذاكرتنا هو فخُّ الانتماء؛ ذلك الطُّعم الذي يجعل كلَّ جماعةٍ تتوهم أنها شعبُ الله المختار.
في كلِّ مرةٍ أسافر فيها، ثمة أفكارٌ تسافر بي. فالانتماء ليس مجرد رقمٍ على بطاقة هوية، بل اجتياحٌ وجدانيٌّ تعبق به خلايا الروح، وتتشكل من خلاله رؤيتنا للعالم.
حين تُعدُّ لي صديقتي اليمنية صحنَ الشَّفوت وكأسًا من شاي عدن او صحن المعصوب، لا أتناول طعامًا فحسب، بل أرتشف حكايات يافع وشبوة وصنعاء، وأصغي إلى وجع السياسة وما فعلته يدُ الانقسام بأصل العرب.
ومع زميلتي المغربية أتشارك طقوس الحمّام المغربي، وأبحر في ثقافة الأمازيغ، وأتتبع أصداء الشرق وهو يودّع الأندلس كنتُ اكتشف المغرب طبقةً بعد أخرى؛ من عبق الأركان إلى ذاكرة الأندلس. وكنتُ أتساءل في سري: أيُّ سرٍّ أودعته السماء في المرأة المغربية، حتى صارت الأنوثة فيها حكايةً تتناقلها المجالس، ويغدو ذكرها عابرًا للحدود كأغنيةٍ لا يشيخ صداها في اعين الشرق ومجالس الرجال؟
ويطربني هديلُ المزمار الصعيدي على ألحان طبلة باسم ، وتزهو مسامات روحي بكرم واصالة اهل الصعيد تعانقني قلاع اسوان بشموخها فيما تتزين مائدة الغداء بالملوخية بالأرانب والحمام المحشي. وعلى إيقاع المساء، تحضر جارتي المصرية الفطير المشلتت، وتفتح لي أبواب الحكايات؛ عن القاهرة التي أثقلتها العشوائيات، وعن بحر الإسكندرية، وعن عيون نساء المنصورة التي كانت تصفها بأنها أعمق من النيل نفسه. وكم تجادلنا في الفن والسياسة والفكر القومي لجمال عبد الناصر.
تعلمت ان الرقص الشرقي ليس مجرد استعراض ثقافي بل حوار بين الروح والايقاع، وذاكره ثقافية تحمل آثار نساء مررن من هنا وتركن في الموسيقى بعضا من اسرارهن
ويضيء السودانيون الصيدليه التي عملت بها باحثين عن منتجات التفتيح يوقظون في داخلي أمنيةً صامتة؛ أود أُخبرهم بأن بياض القلوب أبهى من كل الألوان، و أدعو الله أن يستقر الحال بين الشمال والجنوب، وأن يكتب السلام لدارفور.
أما الخليج، فلم يترك نبضًا في عروقي إلا وزاده اتساعًا. هناك أدركت أن الاختلاف ليس سببًا للخلاف، وأن الحكمة الإلهية أبلغ من كل تصنيفات البشر: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾.
تبغددتُ على ألحان ناظم الغزالي، زارني شارع المتنبي ورأيتُ العراق عريقا في عيون بلقيس الراوي، وسمعتُ حناجر فراتية اختزلت آلاف الكمنجات
"وفي سلطنة عُمان، تعلّمتُ أن الرقيّ لا يحتاج إلى ضجيج. أبهرتني ثقافةٌ تتكئ على الهدوء وفي سوق مطرح ابهرني الهنود بفلسفتهم البسيطة تجاه الجمال فشعر المراة تاج لازينة ومنذ ذلك اليوم لم يعد المقص صديقا لجدائلي
وتهذبت نفسي حين رأيت الأبراج الشاهقة في حضرة البساطة، وقرأت عقول رجال الأعمال التي تلهث بلغة الأرقام، كما قرأت ثراء البسطاء في أوقاتهم ومساحاتهم الإنسانية. وحاورت ظلي في حضرة الموظف الهندي البسيط، الذي كان أكثر ثراءً بشعوره من كثيرين يملكون ما هو أكثر.
لم أعد أستخف بقيمة الأشياء أو الأفكار؛ فالقليل في جعبتي قد يكون كثيرًا في يد غيري.
زارتني مدنٌ كثيرة، لكن الذي بقي في ذاكرتي لم يكن عمرانها ولا ضجيجها، بل البشر الذين حملوا أوطانهم في لهجاتهم وملامحهم وموائدهم وأحلامهم. ومن خلالهم أدركت أن الإنسان، مهما اختلفت أرضه، يبقى الوطنَ الأجمل في هذه الرحلة الطويلة.
"توالت البلدان على دروب عمري، فكان لكلٍّ منها بصمته الخاصة؛ بعضها علّمني الحنين، وبعضها أهداني الدهشة."
"كلُّ أرضٍ مررتُ بها تركت في داخلي لونًا من المشاعر، حتى غدوتُ أحمل شيئًا من كل مكان."
انتهت حروب المدن بين اصابعي
وفي نهاية المطاف، لم أعد أذكر كم مدينةً زرت، ولا كم طريقًا سلكت، ولا كم ختمًا ازدحمت به صفحات جواز سفري. ما أذكره حقًا هو تلك القلوب التي مرّت بي وتركت في روحي ندبةً من حنين، أو نافذةً من نور.
لقد علّمني الناس أكثر مما علّمتني المدن، واحتضنتني الأرواح أكثر مما احتضنتني الأمكنة. وكلما اقتربتُ من إنسان، اكتشفتُ كم كنا نظلم بعضنا حين نختصر بعضنا في جنسيةٍ أو لهجةٍ أو علمٍ يرفرف فوق الحدود.
وحين أنظر اليوم إلى وجوه الذين عبروا حياتي، أشعر أنني لم أكن أسافر بين البلدان، بل كنتُ أسافر بين القلوب.
ولعل أكثر ما يؤلمني أن البشر يخافون بعضهم قبل أن يعرفوا بعضهم، ويبنون بينهم أسوارًا من الوهم، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛في نهاية المطاف، لم أتعلم من السفر أسماء المدن بقدر ما تعلّمت أسماء المشاعر. أدركتُ أن الأوطان لا تسكن الخرائط، بل تسكن البشر ؛ في لهجاتهم، وموائدهم، وأغانيهم، وطرائق حبّهم للحياة. وكلما اقتربتُ من إنسان، سقط جدارٌ من تلك الأسوار التي يبنيها الوهم بين الشعوب. فالابداع عابر للحدود خارق للثقافات والازمان
لم أكن أسافر بين الاوطان كنت أسافر بين القلوب فالاوطان لا تسكن الخرائط بل تسكن البشر
أكبرُ كمينٍ نسجه التاريخ في ذاكرتنا هو فخُّ الانتماء؛ ذلك الطُّعم الذي يجعل كلَّ جماعةٍ تتوهم أنها شعبُ الله المختار.
في كلِّ مرةٍ أسافر فيها، ثمة أفكارٌ تسافر بي. فالانتماء ليس مجرد رقمٍ على بطاقة هوية، بل اجتياحٌ وجدانيٌّ تعبق به خلايا الروح، وتتشكل من خلاله رؤيتنا للعالم.
حين تُعدُّ لي صديقتي اليمنية صحنَ الشَّفوت وكأسًا من شاي عدن او صحن المعصوب، لا أتناول طعامًا فحسب، بل أرتشف حكايات يافع وشبوة وصنعاء، وأصغي إلى وجع السياسة وما فعلته يدُ الانقسام بأصل العرب.
ومع زميلتي المغربية أتشارك طقوس الحمّام المغربي، وأبحر في ثقافة الأمازيغ، وأتتبع أصداء الشرق وهو يودّع الأندلس كنتُ اكتشف المغرب طبقةً بعد أخرى؛ من عبق الأركان إلى ذاكرة الأندلس. وكنتُ أتساءل في سري: أيُّ سرٍّ أودعته السماء في المرأة المغربية، حتى صارت الأنوثة فيها حكايةً تتناقلها المجالس، ويغدو ذكرها عابرًا للحدود كأغنيةٍ لا يشيخ صداها في اعين الشرق ومجالس الرجال؟
ويطربني هديلُ المزمار الصعيدي على ألحان طبلة باسم ، وتزهو مسامات روحي بكرم واصالة اهل الصعيد تعانقني قلاع اسوان بشموخها فيما تتزين مائدة الغداء بالملوخية بالأرانب والحمام المحشي. وعلى إيقاع المساء، تحضر جارتي المصرية الفطير المشلتت، وتفتح لي أبواب الحكايات؛ عن القاهرة التي أثقلتها العشوائيات، وعن بحر الإسكندرية، وعن عيون نساء المنصورة التي كانت تصفها بأنها أعمق من النيل نفسه. وكم تجادلنا في الفن والسياسة والفكر القومي لجمال عبد الناصر.
تعلمت ان الرقص الشرقي ليس مجرد استعراض ثقافي بل حوار بين الروح والايقاع، وذاكره ثقافية تحمل آثار نساء مررن من هنا وتركن في الموسيقى بعضا من اسرارهن
ويضيء السودانيون الصيدليه التي عملت بها باحثين عن منتجات التفتيح يوقظون في داخلي أمنيةً صامتة؛ أود أُخبرهم بأن بياض القلوب أبهى من كل الألوان، و أدعو الله أن يستقر الحال بين الشمال والجنوب، وأن يكتب السلام لدارفور.
أما الخليج، فلم يترك نبضًا في عروقي إلا وزاده اتساعًا. هناك أدركت أن الاختلاف ليس سببًا للخلاف، وأن الحكمة الإلهية أبلغ من كل تصنيفات البشر: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾.
تبغددتُ على ألحان ناظم الغزالي، زارني شارع المتنبي ورأيتُ العراق عريقا في عيون بلقيس الراوي، وسمعتُ حناجر فراتية اختزلت آلاف الكمنجات
"وفي سلطنة عُمان، تعلّمتُ أن الرقيّ لا يحتاج إلى ضجيج. أبهرتني ثقافةٌ تتكئ على الهدوء وفي سوق مطرح ابهرني الهنود بفلسفتهم البسيطة تجاه الجمال فشعر المراة تاج لازينة ومنذ ذلك اليوم لم يعد المقص صديقا لجدائلي
وتهذبت نفسي حين رأيت الأبراج الشاهقة في حضرة البساطة، وقرأت عقول رجال الأعمال التي تلهث بلغة الأرقام، كما قرأت ثراء البسطاء في أوقاتهم ومساحاتهم الإنسانية. وحاورت ظلي في حضرة الموظف الهندي البسيط، الذي كان أكثر ثراءً بشعوره من كثيرين يملكون ما هو أكثر.
لم أعد أستخف بقيمة الأشياء أو الأفكار؛ فالقليل في جعبتي قد يكون كثيرًا في يد غيري.
زارتني مدنٌ كثيرة، لكن الذي بقي في ذاكرتي لم يكن عمرانها ولا ضجيجها، بل البشر الذين حملوا أوطانهم في لهجاتهم وملامحهم وموائدهم وأحلامهم. ومن خلالهم أدركت أن الإنسان، مهما اختلفت أرضه، يبقى الوطنَ الأجمل في هذه الرحلة الطويلة.
"توالت البلدان على دروب عمري، فكان لكلٍّ منها بصمته الخاصة؛ بعضها علّمني الحنين، وبعضها أهداني الدهشة."
"كلُّ أرضٍ مررتُ بها تركت في داخلي لونًا من المشاعر، حتى غدوتُ أحمل شيئًا من كل مكان."
انتهت حروب المدن بين اصابعي
وفي نهاية المطاف، لم أعد أذكر كم مدينةً زرت، ولا كم طريقًا سلكت، ولا كم ختمًا ازدحمت به صفحات جواز سفري. ما أذكره حقًا هو تلك القلوب التي مرّت بي وتركت في روحي ندبةً من حنين، أو نافذةً من نور.
لقد علّمني الناس أكثر مما علّمتني المدن، واحتضنتني الأرواح أكثر مما احتضنتني الأمكنة. وكلما اقتربتُ من إنسان، اكتشفتُ كم كنا نظلم بعضنا حين نختصر بعضنا في جنسيةٍ أو لهجةٍ أو علمٍ يرفرف فوق الحدود.
وحين أنظر اليوم إلى وجوه الذين عبروا حياتي، أشعر أنني لم أكن أسافر بين البلدان، بل كنتُ أسافر بين القلوب.
ولعل أكثر ما يؤلمني أن البشر يخافون بعضهم قبل أن يعرفوا بعضهم، ويبنون بينهم أسوارًا من الوهم، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛في نهاية المطاف، لم أتعلم من السفر أسماء المدن بقدر ما تعلّمت أسماء المشاعر. أدركتُ أن الأوطان لا تسكن الخرائط، بل تسكن البشر ؛ في لهجاتهم، وموائدهم، وأغانيهم، وطرائق حبّهم للحياة. وكلما اقتربتُ من إنسان، سقط جدارٌ من تلك الأسوار التي يبنيها الوهم بين الشعوب. فالابداع عابر للحدود خارق للثقافات والازمان
لم أكن أسافر بين الاوطان كنت أسافر بين القلوب فالاوطان لا تسكن الخرائط بل تسكن البشر
تصنيفات
مقالات
