بقلم هيا برماوي
نهضتُ مثقلةً كأن الليل لم يغادر كتفيّ بعد. فتحتُ عينيّ بصعوبة، ومددتُ يدي إلى الساعة الصغيرة فوق الطاولة. كانت تشير إلى الثالثة فجراً.
تنهدتُ بحرقة.
إلى متى سيظل هذا الفجر يوقظني قبل أن يوقظ الشمس؟
مرّ على ذلك الفجر المرّ أربعة عشر عامًا، وما زلتُ أستيقظ في التوقيت ذاته، كأن الزمن توقّف عند تلك الدقيقة، ورفض أن يمضي. أنهض من فراشي، وأقف أمام النافذة المطلة على الطريق الترابي الذي يغادر قريتنا، أحدّق في الصمت الذي يسبق الأذان، وأنتظر… كما لو أن الانتظار صار طقسًا يوميًا لا يكتمل الفجر إلا به.
في مثل هذه الساعة تمامًا رحلتَ.
لم يكن الفراق رغبةً منك، ولا قبولًا مني، بل كان قسوةً فرضتها الحياة علينا.
ما زلتُ أذكر اليوم الذي طرقتَ فيه باب منزلنا طالبًا يدي. يومها لم يغمض لي جفن. كنتُ أخشى أن يكون كل ما يحدث حلمًا، وأن يختفي مع أول خيطٍ من ضوء الصباح.
كان قلبي يخفق بعنف، حتى خُيّل إليّ أن الجدران تسمع ارتجافه.
وقفتُ خلف الباب أسترق السمع، بينما كان والدي يقول بهدوء:
“سنفكر في الأمر، ثم نبلغكم بالرد.”
مرت ثلاثة أيام كانت أطول من أعوام، حتى جاء موعد الجواب.
وقفتُ خلف الباب نفسه، أقبض على طرف ثوبي، وأحبس أنفاسي.
ثم جاء الصوت الذي شطر قلبي إلى نصفين.
“لا… ابنتنا ما زالت صغيرة، وأنت لم تؤمّن مستقبلك بعد.”
لم أسمع ما قيل بعد ذلك.
خرجتُ أركض إلى البستان خلف المنزل، حتى خارت قدماي. سقطتُ على ركبتيّ بين الأشجار، وانفجرتُ بالبكاء، بينما كانت الريح تعبث بأغصان الزيتون كأنها تشاركني الحزن.
وبعد لحظات رأيتك.
خرجتَ من باب منزلنا بخطواتٍ بطيئة، ورأسك مطأطأ، تحمل على كتفيك من الخيبة أكثر مما يحتمل رجل في مثل عمرك. رفعتَ طرف سترتك تمسح دموعك سريعًا، كأنك تخشى أن يراك أحد منكسرًا.
لكنني رأيت.
ورأيتُ في تلك اللحظة عمرًا كاملًا ينهار أمام عيني.
اقتربتَ مني، وجلستَ على ركبتيك أمامي.
لم تقل شيئًا في البداية.
كنتَ تبكي بصمت… وذلك كان أقسى من كل الكلمات.
ثم همستَ بصوتٍ مبحوح:
“هل أصبح الفقر تهمة؟ وهل يختار الإنسان أن يولد فقيرًا؟”
حاولتُ أن أجيب، لكن الدموع سبقت الحروف، وبقي صوتي عالقًا في صدري.
أمسكتُ يديك بكل ما بقي فيّ من قوة.
قبّلتَ كفي مراتٍ متتابعة، وقلتَ:
“سامحيني… لن أبقى في هذه القرية بعد اليوم. سأرحل، وسأعود حين أستطيع أن أثبت لهم أنني أستحقك.”
تعلقتُ بك كالغريق.
توسلتُ إليك ألا ترحل.
لكن بعض الأقدار لا تستأذن قلوبنا قبل أن تقتلعها.
رحلتَ مع الفجر…
ومنذ ذلك اليوم، صار الفجر موعدًا لغيابك، وموعدًا لانتظاري.
أحببتك عشرين عامًا…
ثلثها حضور…
وثلثاها فراقٌ مرّ.
وفي العام الماضي وصلتني رسالتك الأخيرة.
كانت قصيرة جدًا، لكنها كانت كافية لأن تعيد الحياة إلى قلبٍ أوشك أن يتعب من الانتظار.
كتبتَ فيها:
“سأعود… في الفجر. سأعود في الساعة نفسها التي غادرتُ فيها، حتى لا يبقى الفجر مرًّا إلى الأبد.”
ومنذ ذلك اليوم، لم أنم ليلةً كاملة.
كل فجر أقف عند نافذتي، أحدّق في الطريق ذاته، وأعدّ الخطوات التي لم تأتِ بعد.
واليوم…
دقت الساعة الثالثة.
هبّت نسمة باردة، وتحرك باب المنزل قليلًا، وارتفع أذان الفجر من المسجد البعيد.
حدّقتُ في الطريق طويلًا…
ولأول مرة منذ أربعة عشر عامًا…
لم أكن أخشى ألّا تعود…
بل كنتُ أخشى أن يبقى الفجر… مرًّا
