محفل لا مثيل له

 


 الكاتبة سوزان موسى دره- سوريا


عندما غفت الشمس في أرجوحة النهار غَفَوتُ، ونمتُ نوماً عميقاً ثم دُعيتُ إلى محفل، ولا يمكن أن أصف دهشتي عندما عرفت أني سأكون الأنثى الوحيدة المعنية بالحوار. 

في البداية استغربت التوقيت ففترة الظهيرة تعني سُفَرُ الغداء، و روائح الطعام ستملأ الشوارع والأزقة. قلت في نفسي

:" بالتأكيد هناك سر  "

طوال الطريق كانت براعم التذوق تدغدغني وترسل إشارات واضحة، و عبّرَ مطارحَ مختلفة كنت أتحسس روائح غريبة ومستساغة جداً فأتبعها للحظات وأستحضر مواقف مختلفة مضى عليها أعوام، ثم أُكملُ مسيري، وأعود للتوقف تحت شجيراتٍ يابسة تتبلّلُ تحت نافورة. لقد حاولت جهدي أن أقمع سلسلة حاجاتي من أولها حتى آخرها قبل أن أدخل إلى القاعة.


كان سَرجون يتصدر القاعة و يجلس بين سُقراط و أفلاطون، صافحتهم كما اعتدت مصافحة كل الناس رجالاً و نساء، و كل الموظفين الرجال، ومنذ انضممت إلى ربوع الجندية المهنية حتى صارت حدود مواجهتي للحياة اليومية مربوطة بحبل حاجات كثيرة، ومتاعب متشابهة، و حدود شُرفة تعُجُّ بعبوات بلاستيكية مزروعة.


وما كِدّتُ أصل إلى المكان المخصص لي، وأجلس حتى نهض سرجون وتقدم نَحوي، وصفعني على خدي الأيسر، و زَمجَرَ في وجهي قائلاً:

- :" مصافحة؟ هكذا تتعاملين مع الجوع ؟ "

صَدمَتني ردة فعله فجمدتُ في مكاني حتى تقدم نحوي أكثر فأكثر، وصرت أرتجف فحدّق في وجهي:"  ألم تدركي بعد ما هذه الخطوط على جبينك؟ إنها ليست سياط الفقر، و ليست سكاكين الظلم، و الفساد، بل سهام الإفتقار ال؟ "

وما كاد يكمل كلامه حتى اختنق صوته، و هطلت دموعي كشلال فعاد إلى مكانه بلمح البصر، وراح يخفي وجهه عني. قعدت على الكرسي ورحت أُحَدّقُ في عيون سقراط، ثم في عيون أفلاطون أمام مكتبة ضخمة يبرز منها رفٌّ فارغ عليه مزهرية بدون أزهار، وصار قلبي يطرق كالطبل. 

استيقظتُ فجأةً، وأبعدتُ ستارة غرفتي عن وجهي. ثم نهضت.


ما شعرت به لا يوصف، و ما من جملة تستطيع أن تكون عنواناً لما اجتاحني من أحاسيس بعد لحظات. كأن الحياة عادت إليَّ بعد غيابٍ طويل، و باعتقادي لا يوجد وصف يليق برجل يضع الملح على الجرح، وما من وصفٍ يليقُ بأزمنةٍ تشابهت حدودها أمام عظمة المشاعر.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology