حاورته الصحفية نداء الدروبي
إنه فنانٌ استثنائيٌّ لا يعزف فقط بل يُحوِّل نبضات قلبه إلى ألحان خالدة تلامس وجداننا، ومع تفتُّح موهبته
ربط قلوب الجمهور بنهر مُتدفِّقٍ من المشاعر، وأصبحت الألحان والنغمات تُزهر على يديه وتضيئ دربه.
علَّمه والده الموسيقى الكلاسيكية بعد ان تعلمها في لبنان وتنحدر أصولهم من مدينة الناصرة في فلسطين
قاد وشارك وعمل في عددٍ من الفرق الموسيقية للفنانين اللبنانيين والعرب وفي الوقت نفسه سعى جهاد عقل إلى دراسة وتوسيع نطاق التعليم الموسيقي له، ليشمل التوزيع والتأليف الموسيقي واللعب المنفرد.
على إيقاعه وروحه الخاصتين وفي إحدى نشاطاته أجرينا معه الحديث التالي :
*كيف بدأت رحلتك مع آلة الكمان؟؟
** بدأ مشوار حياتي مع آلة الكمان بين أحضان والدي ومعلمي أحمد سعيد عقل، وبدأت مرحلة دراستي مع الآلة بالموسيقى الكلاسيكية لمدة اثنتي عشرة سنة، وفيما بعد تعلَّمت الموسيقى الشرقية وبدأت رحلتي الموسيقية في عالم الفن، وكانت كلها مع والدي.
*ما اللحظة التي شعرت فيها أنك على الطريق الصحيح نحو النجاح؟
** شعرت بالتأكيد أنَّني على الطريق الصحيح بعد رحلتي بالعزف مع كبار الفنانين والموسيقيين.. وفي سنة ١٩٩٧ بدأت رحلتي بالعزف المنفرد على آلة الكمان، وهنا شعرت بأنِّي وجدت نفسي على الطريق الذي أحبُّه لنفسي مع أنني كنت سعيداً جداً بفترات تعاملي مع الفنانين بشكل عام من السيدة فيروز وصباح ووديع الصافي وسعاد محمد وملحم بركات وغيرهم.. جميع الفنانين تعاملت معهم إن كان في الحفلات أو بقيادة الفرق الموسيقية أو تسجيلات الأغاني للفنانين.. كانت رحلة رائعة حقاً، ولكنني لقيت نفسي عندما بدأت أصنع جهاد عقل كعازف منفرد.
*ما الصعوبات التي واجهتك، وكيف تغلبت عليها؟
** واجهتني بصراحة صعوبات كثيرة وكبيرة منذ بداية رحلتي: أولها عدم القبول من الآخرين بوجودي كعازف مُتمكِّن -للأسف- وخلاصتها أننا نحن الأشخاص المتمكنين الذين نملك طاقة فوق الطبيعة أو طاقة قوية نحاول أن نحاربهم ونعمل على تحطيم معنوياتهم وهذه التصرُّفات للأسف أزعجتني كثيراً في رحلة حياتي كلِّها؛ ولكنَّني استطعت أن أنتصر عليها؛ واستطعت أن أجعل الذي لا يحبُّني، أو يغار مني.. أو يرفضني ولا يتقبَّل وجودي، أصبح يحترمني لأنَّني كنت أتعامل معهم بمحبَّة مثلما يقولون: "أحببتُ عدوِّي إلى أن أصبح عدوِّي يحبُّني ويحترمني، فالمحبَّة إضافة إلى القوَّة تساوي قمَّة النجاح؛ ولكن القوة بدون محبَّة لا تساوي شيئاً.. من الصعب أن تصل للنجاح بالكراهية، وهكذا أقول لك: إنَّني وصلت للنجاح بالمحبَّة، وهي سلاحي الوحيد الذي استعمله في حياتي، فبدون المحبَّة لا أقدر أن أكون بين الجميع وأفرض قدراتي ونفسي وشخصيتي وكاريكاتيري مع المحيطين بي في عالم الفن، وهذا كان أهم انتصار في حياتي!.
*كيف تُطوِّر أسلوب عزفك مع مرور الوقت؟
**تطوّر عزفي كان نابعاً من حبِّي وعشقي لآلة الكمان بالدرجة الأولى والأساسية، لأنَّني كنت متمكِّناً من آلة الكمان بالموسيقى الكلاسيكية وأيضاً بالموسيقى الشرقية، فكنت ؛أجمع الموسيقى الكلاسيكية في العالم الشرقي والعزف الشرقي حتى أصبح لديَّ دمج بين هذين العالمين.. إنَّها حقَّاً متعةٌ ممزوجةٌ بالبساطة وبكل الرفاهيَّة والحرفيَّة، وهذا الأمر الذي يجعلني أكون متميِّزاً كوني أتكلَّم باللغتين بجدارة، ورأى الناس سيطرتي على الكمان فكان العامل الأساس لنجاحي في هذا العالم.. أسلوبي كان يتطوَّر مع آلة الكمان وكلما كبرت سنة كان الكمان يكبر معي ويصير أسلوبي مختلفاً في العزف، لأنَّ الكمان جزء أساسي في حياتي، أي نصفي الثاني.. هو تعبيري والمنبر الذي أتكلم فيه.. هو الإحساس الذي أقدر أن أبثَّه للناس.. فهذا الدمج والتطور بيني وبين الكمان عبارة عن رحلة عمر بين العاشق والمعشوق.
*ما شعورك أثناء العزف على آلة الكمان؟
** شعوري يختلف أثناء العزف بين مكان وآخر، كما تختلف حالتي النفسية، فعندما أحمل آلة الكمان أعمل على إسعاد الناس في الحفلات العامة والأخرى التي هي عبارة عن حفلات الأوبرا أو الكونسرت.. شعوري ومزاجي يختلفان عن طريق العزف على آلة الكمان كوني أعبِّر عن حالتي النفسيَّة فعندما أكون حزيناً أخرج مابداخلي من آلام وأعزف أحلى بكثير.. أنسى تعبي كله حينما أمسك الكمان.. عندها ترتسم البسمة على وجهي.. آخذ العالم لأماكن أخرى أشعر فيها بأحاسيس جميلة مختلفة فعندما أصعد على المسرح أُقدِّم للناس قدراتي بشكل عام وأرتقي بروحي وأعزف لها، وترين عندها كل الناس صارت في نفس الملعب الذي أنا فيه وهنا تكمن سعادتي.. إنني أجمع الكم الهائل الموجود فيه فمثلاً مئة أو أربعمائة أو خمسمائة شخص أجمعهم في قالب واحد ليعيشوا
كلهم بذات الإحساس.. هذه القدرات ربانيَّة وحسِّيَّة مثل السحر.
وأنا كجهاد عقل أحبُّ أن آخذ الناس إلى دنيا ثانية.
*كيف ترى دور الكمان في الموسيقى المعاصرة؟ **نحن -للأسف- فقدنا الموسيقى الشرقية التي هي أغنى بكثير من الموسيقى الغربية وبدأنا نتمثَّل ونُقلِّد الموسيقى المعاصرة وهي التغريب الغربي، أي جلب الموسيقى الغربية على الموسيقى الشرقية التي عشنا عليها، والتي منحتنا الروح والإحساس.. نحن كشرقيين تميَّزنا بالإحساس وأعطانا ربُّنا أجمل ثروة بالإحساس؛ ولكن عالم الفن المعاصر الذين يقولون عنه: غناء معاصر أقول عنه: دمار للمجتمع لأنه فقد مبادئه وغناه، إذ صارت الموسيقى والأغاني بدون نغمة شرقية وهذا أثَّر عليها، يعني تلاحظين قليلاً من الجيل الجديد يعرف قيمة الموسيقى ويستمع لمعاني الأنغام الشرقية، والآن لايوجد أنغام شرقية كلها أنغام غربية فنحن فقدنا موسيقانا الشرقية للأسف القريبة من نبضنا، ولكن لماذا نحن فقدنا مشاعرنا؟
لأننا ابتعدنا عن أغلى ما نملك في حياتنا وهي الأنغام الشرقية.
*ماهو رأيك في دمج الموسيقا الكلاسيكية مع أنواع أخرى مثل البوب أو الروك على سبيل المثال ؟ * دمج الموسيقا هي من أهم الأشياء التي ممكن نستفيد منها لأنها تحمل جميع الثقافات.. فالموسيقا هي أجمل ثقافة ولغة عالمية نرى كل الناس تتكلم بنفس اللغة ولكل شخص أسلوبه وإحساسه ولغته وتراثه يعني أنماط مختلفة وتصبح الموسيقا بشكل عام إن كانت شرقية أو غربية جاز أو كلاسيك جاز معلم ميوزك .. مثلا كان عندنا الأستاذ الكبير زياد الرحباني وهو اول من دمج الجاز الحسي الشرقي وقدم أجمل الأعمال وأحلى شيء الدمج بين الموسيقى ولكن هذا لايوجد منه كثيرا في حياتنا المعاصرة مع أنه من أهم المعطيات مع الثقافات الأخرى وكيفية التعارف على الثقافات الأخرى.
*ما شعورك عندما تستمع لعزفك أو عندما يشهد لك الناس بأنك أعظم عازف كمان؟
**أشعر عندما أعزف وكأنني أُحلِّق في السماء.. أحس بمتعة في إسعاد الجمهور المتابع، وخاصة عندما أسمع تعليقاتهم الإيجابية أنسى كل تعبي وأرى مشاعرهم الرائعة تجاه عزفي وهذا أحلى شعور في العالم حتى على وسائل التواصل الاجتماعي أرى المحبة لدى الناس
*من استهواك من العازفين؟
** كلُّ عازف يبحث عن العازفين العباقرة الموجودين على الساحة الفنية كي يتعرَّف إلى أعمالهم وقدراتهم، فأنا شخصياً كنت معجباً بالعازف الكلاسيكي الرائع أنور منسي في زمن الموسيقار محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، كما أعجبت أيضاً بالمعلم أحمد الحفناوي الذي لا يملك أي تقنيات، ولكن عندما يقسم بأيَّة نغمة يشعرك بالفرح لشدة قوة إحساسه العالي. وبجانب هذا تعمَّقت بشخصية الأستاذ عبود عبد العال - رحمهم الله جميعاً- حيث كان متميزاً بآلته ومعاصراً للغربي والشرقي، وكانت لديه بصمته الخاصة، لذا أخذت من أسلوبه الكثير لدرجة أنَّ الأديب جورج إبراهيم الخوري لقَّبني أول ما سمعني بخليفة عبود عبد العال، وكانت فرحتي كبيرة جداً أن ألقب ببطل من أبطال الكمان ... ثم بعد ذلك صنعت لنفسي بصمة وهويةخاصة لي وهؤلاء الأشخاص أثروا بي بجانب بعض العارفين أيضآ مثل محمود الغرشة ورفيق حبيئة وهكذا يكون لكل منهم بصمة معينة فالشخص يأخذ من كل بستان وردة كما يقولون ويجمعهم في بوكية بديع باحساسك الخاص بالنسبة لعازفين عرب أما العارفين الأجانب فأحب العازف العالمي اتزاك برلمان اتمنى له طول العمر وبالنسبة لي لا أعرف جنسيته ولكن منذ طفولتي وانا اسمعه كثيرا كي آخذ منه التكنيك الغربي البحت وهذا الفنان ساعدني في حياتي كي يكون لدي طاقة في العزف (الموسيقى الكلاسيكية) واقول لك هناك ثلاث أشخاص أثروا في حياتي أولهم والدي الأستاذ أحمد سعيد عقل الذي أعطاني سنين من عمره لدرجة انه كان يجبرني بقسوة ولكن قسوته صنعت متي إنسانا رائعا وقوة مختلفة بالدرجة الثانية الأستاذ عبود عبد العال بالموسيقى الشرقية والعازف العالمي اتزاك برلمان.
* كيف توازن بين حياتك الشخصية والمهنية؟
** لديَّ شخصيتان.. الأولى: الإنسان العادي، والثانية: العازف، يعني عندما أصعد على المسرح أتحوَّل إلى شخصٍ آخر.. ألمس المجد وقمة الشهرة.. ألمس كلَّ شيء جميل! ولكنني لا أشعر أبداً بالغرور للحفاظ على حياتي الشخصيَّة والعائليَّة، ففي أغلب الأحيان يأخذ المجد والشهرة الإنسان من كلِّ الحياة.. يجد نفسه وقد خسر كلَّ شيء جميل، وخصوصاً الحياة الاجتماعية، لذا حافظت على حياتي الفنية والاجتماعية معاً. * *ماهي النصائح التي تقدمها للعازفين المبتدئين ؟ *** أول شيئ أقوله أننا في زمن مختلف عصر التكنولوجيا والأوقات الفارغة وتضييع الوقت ولكن نحن في وقتنا هذا لم يكن لدينا مغريات كثيرة كانت حياتنا فيها وقت وافر.. وبالنسبة لي أول نصيحة أقدمها للمبتدئ هو حب العطاء والآلة الموسيقية بشكل عام ومتابعة التمارين المكثفة والمركزة لأنه ممكن أن تدرس ساعة بتركيز وتستفيد منها وأحيانا تدرس اثنا عشرة ساعة ولاتستفيد ابدا منها
تصنيفات
بورتريه

