دَقَّ البَابُ، فَاهْتَزَّتْ جَوَانِحِي
وَتَنَادَى فِي الدُّجَى صَوْتُ الرِّجَالِ
قُلْتُ: مَنْ؟ قَالَ: افْتَحِ البَابَ، فَإِنِّي
فَتَحْتُ، فَلَمْ أَرَ إِلَّا ظِلَّ خَيَالِ
ثُمَّ دَقَّ البَابُ فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ
فَإِذَا خُوذَةٌ تَبْكِي بِلاَ سُؤَالِ
وَنِصْفُ نَعْلٍ، وَبَقْيَا مِنْ سِلاحٍ
وَثِيَابٌ غَارِقَاتٌ فِي الزَّوَالِ
وَذِرَاعٌ لِجُنْدِيٍّ فِي ثَرَاهَا
وَقَطْرُ الدَّمْعِ يَجْرِي كَالسُّيُولِ
قُلْتُ: مَنْ؟ فَأَجَابَ صَمْتُ اللَّيَالِي
وَاسْتَفَاقَ الجُرْحُ مِنْ بَعْدِ انْفِعَالِ
ثُمَّ لَمَّا مَسَّ كَفِّي قَلْبَ رَأْسٍ
كَانَ يَنْبُضُ فِي يَدِي كَالهِلالِ
وَإِذَا الهَيْكَلُ العَظْمِيُّ يَرْقَى
مِنْ ثَرَى سِينَاءَ فِي ثَوْبِ ابْتِهَالِ
قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا جُنْدِيٌّ
اسْمِيَ «عَوْضٌ» مِنْ أَبْطَالِ النِّضَالِ
كُنْتُ طِفْلًا، رَأَيْتُ أُمِّي صَبَاحًا
وَالوِشَاحُ الحُزْنُ فِي عَيْنَيْهِ حَالِ
وَاحْتَضَنْتُ صَدْرَهَا فَإِذَا بِصَدْرٍ
فِيهِ مِنْ جُرْحِ السِّنِينَ أَلْفُ حَالِ
وَرَأَيْتُ الثَّوْبَ فَوْقَ الحَبْلِ يَرْقُبْ
رَجُلًا غَابَ طَوِيلًا فِي القِتَالِ
قِيلَ: أَبُوكَ مَعَ الجُنْدِ قَدْ مَضَى
وَسَيَأْتِي غَدًا بِفَوْزٍ وَابْتِهَالِ
فَانْتَظَرْنَاهُ، وَكَانَ الانتِظَارُ
فَوْقَ قَلْبِ الأُمِّ أَثْقَلَ مِنْ جِبَالِ
كُلَّ يَوْمٍ كَانَ دَمْعُ الأُمِّ يَرْوِي
زَهْرَةَ الآمَالِ فِي أَرْضِ المُحَالِ
وَإِذَا الحُزْنُ كَذِئْبٍ قَدْ أَتَاهَا
فَتُغَنِّي وَالدُّمُوعُ لَهَا سِجَالِ
وَتُحَاوِلُ أَنْ تُخَبِّئَ فِي ابْتِسَامٍ
مَا تَخَبَّى فِي ضُلُوعِهَا مِنْ وَبَالِ
ثُمَّ جَاءَتْ لَيْلَةٌ صَخَبُ الرَّدَى فِيهَا
وَأَذَانُ المَوْتِ فَوْقَ كُلِّ حَالِ
وَإِذَا الأَرْضُ تَرُجُّ مِنَ الأَنِينِ
وَالسَّمَاءُ تَبُثُّ رَعْدًا فِي القِتَالِ
وَإِذَا المِذْيَاعُ يَنْعَى كُلَّ قَلْبٍ
وَالجَرَاحُ تَسِيلُ بَيْنَ الرِّمَالِ
ذَاقَ قَوْمِي مُرَّ هَزْمَةِ أُمَّةٍ
وَتَدَلَّى العَلَمُ الحُرُّ مِنَ الهَوَالِ
وَصُوَرُ الأَسْرَى عَلَى وَجْهِ الصَّبَاحِ
كُلُّ وَجْهٍ مِنْهُمُ يَرْوِي مَقَالِ
ثُمَّ كَبِرْتُ، وَجَاءَ يَوْمٌ قِيلَ فِيهِ:
حَانَ وَقْتُ الثَّأْرِ، فَامْضُوا لِلنِّزَالِ
فَحَمَلْتُ السَّيْفَ وَالبُنْدُوقَ عَزْمًا
وَاحْتَضَنْتُ الرَّمْلَ فِي أَرْضِ النِّضَالِ
وَهَمَسْتُ لِلقَنَالِ: أَبِي هُنا؟ قَالَتْ:
تَفَرَّقَ فِي رِمَالِي كَالخَيَالِ
فَجَمَعْتُ الرَّمْلَ حَبَّاتٍ وَحَبَّاتٍ
وَجَمَعْتُ الحُزْنَ فِي صَدْرِي وَمَالِي
وَصَنَعْتُ مِنْ غَضَبِي سَيْفًا وَعَزْمًا
وَصَنَعْتُ مِنْ جِرَاحِي لِلنَّصْرِ حَالِي
ثُمَّ هَبَّ القِتَالُ كَالمَطَرِ الهادرِ
فَوْقَ رَمْلِ سِينَاءَ وَفَوْقَ التِّلَالِ
وَتَقَدَّمْنَا، وَفِي أَعْيُنِنَا نَارٌ
وَفِي أَكْبَادِنَا حُلْمُ الوِصَالِ
وَإِذَا صَوْتٌ يُنَادِينِي: تَقَدَّمْ
يَا بُنَيَّ، لا تَهَبْ هَوْلَ القِتَالِ
صَوْتُهُ أَعْرِفُهُ، صَوْتٌ قَدِيمٌ
مِنْ حَنِينِ الطِّفْلِ فِي أَعْمَاقِ حَالِي
قُلْتُ: أَبِي؟ فَجَاءَ صَوْتٌ مِنْ بَعِيدٍ
مُثْقَلًا بِالرَّصَاصِ وَالآمَالِ
أَنَا أَبُوكَ، أَنَا جُنْدِيٌّ وَعَوْضٌ
لَمْ أَغِبْ عَنْكَ، وَلَكِنْ فِي الرِّمَالِ
كُنْتُ أَحْرُسُ سِينَاءَ وَهِيَ حُرَّةٌ
وَكُنْتُ أَرْعَى الحُلْمَ بَيْنَ التِّلَالِ
فَابْنِيَ النَّصْرَ، لا تَكُنْ لِلرَّدَى ظِلًّا
وَاحْمِلِ الرَّايَةَ حَتَّى لا تَمِيلَ
فَفَهِمْتُ الآنَ السُّؤَالَ الَّذِي أَبْكَى
فُؤَادِي وَاسْتَطَالَ بِهِ لَيَالِي
أَنْتَ لَمْ تَمُتْ، فَأَنْتَ اليَوْمَ حَيٌّ
فِي دَمِي، فِي أُمِّي، فِي كُلِّ رِجَالِي
وَسِينَاءُ الَّتِي أَضْحَتْ عَرُوسًا
مِنْ دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ وَالأَبْطَالِ
كُلُّ رَمْلٍ فِيهَا يُنَادِي أَبِيًا
كُلُّ نَجْمٍ فَوْقَهَا يَرْعَى مَقَالِي
يَا أَبِي، يَا عَوْضُ، يَا سِرَّ انتِصَارٍ
سَكَنَ التَّارِيخَ بَيْنَ الضُّلُوعِ وَالآلِ
أَنْتُمُ أَبْطَالُ أُكْتُوبَرَ، فَخْرٌ
لَيْسَ يَفْنَى، وَلَا يَمُوتُ النِّضَالِ
كُلَّمَا دَقَّ البَابُ فِي لَيْلِ حُزْنِي
سَوْفَ أَفْتَحُهُ لِصَوْتِ الرِّجَالِ
