بقلم الكاتب بلعربي خالد
كان الدكتور سامر رجلاً لا يؤمن إلا بما تثبته الأرقام.
يشغل منصباً رفيعاً في إحدى المؤسسات الكبرى، اعتاد أن يتخذ قراراته بعد دراسة طويلة وتقارير دقيقة. كان يرى أن النجاح لا يحتاج إلى أسرار غامضة، بل إلى عقل هادئ وخبرة متراكمة.
لكن خلف هذا الرجل القوي كان هناك إنسان مرهق.
فقد كان يعيش أصعب مرحلة في مسيرته؛ مشروع ضخم على وشك اتخاذ قرار مصيري، ضغوط من مجلس الإدارة، وخوف من أن يكون اختياره سبباً في خسارة سنوات طويلة من العمل.
في تلك الفترة، بدأ اسم امرأة يتردد بقوة في الأوساط الثرية.
كانت تُعرف باسم "ليانا"، عرّافة اشتهرت عبر الإعلام والمنصات الاجتماعية. كان رجال أعمال وشخصيات معروفة يزورونها سراً قبل اتخاذ قرارات مهمة. لم تكن تقدم نفسها كمنجمة عادية، بل كـ"مستشارة روحية" تدّعي أنها تستطيع قراءة الإشارات الخفية ومعرفة اتجاهات المستقبل.
كان البعض يقول:
"لقد توقعت نجاح شركات كبرى."
ويقول آخرون:
"كلماتها غيّرت قرارات أشخاص في مواقع حساسة."
وصل صدى اسمها إلى سامر.
في البداية ضحك عندما سمع عنها.
قال لأحد زملائه:
"العاقل لا يبني مستقبله على كلمات امرأة لا تعرف شيئاً عن حساباته."
لكن الإنسان عندما يصبح محاصراً بالخوف، قد يفعل أشياء كان يظن أنه لن يفعلها أبداً.
وفي ليلة طويلة من التفكير، قرر أن يلتقي بها.
استقبلته ليانا في مكتب فاخر، محاط بالرموز والديكورات الغامضة. لم تبدأ بتنبؤات مباشرة، بل تحدثت عن شخصيته.
قالت له:
"أنت رجل تحمل مسؤوليات كثيرة، لكنك تخفي قلقاً لا يعرفه من حولك. أمامك قرار سيغير مكانتك، وهناك شخص قريب منك لا يظهر لك كل ما في قلبه."
صمت سامر.
كانت كلماتها تبدو وكأنها تصفه بدقة.
لكنه لم يدرك أنها لم تقرأ مستقبله، بل قرأت حالته النفسية. فكل شخص في موقع مسؤولية يحمل ضغوطاً، وكل صاحب قرار يخشى الخيانة والخطأ.
ومن هنا بدأ الطريق.
في كل لقاء كانت تمنحه أملاً جديداً.
مرة تقول له إن الصفقة ستنجح، ومرة تحذره من شخص حوله، ومرة تطلب منه الانتظار حتى "تتضح الإشارات".
ومع مرور الوقت، بدأ يعتمد على رأيها أكثر مما يعتمد على خبرته.
لم يعد يسأل فريقه فقط.
بل أصبح يسأل ليانا:
"هل هذا هو القرار الصحيح؟"
حتى جاءت اللحظة الحاسمة.
كان عليه اتخاذ قرار مالي كبير. كانت التقارير تحذره من المخاطر، لكن ليانا أكدت له أن الفرصة لا تتكرر.
اختار طريقها.
وكانت النتيجة عكس ما وعدت تماماً.
خسر المشروع، وتعرض مركزه للاهتزاز، واكتشف أن ملايينه ذهبت خلف وهم لا دليل عليه.
حاول الاتصال بها.
لكن الهاتف كان مغلقاً.
الحسابات اختفت.
وكأن المرأة التي زعمت معرفة المستقبل لم تعرف حتى ما سيحدث لها بعد أيام.
بعد فترة، قاده الفضول إلى البحث عنها.
وجد عنواناً قديماً لمكتبها.
ذهب إلى المكان، وهناك كانت الصدمة.
لم يجد القصر الذي تخيله، ولا المرأة القوية التي كانت تتحدث بثقة عن أسرار الحياة.
وجد غرفة صغيرة، وامرأة منهكة تحاول إقناع صاحب العقار بمنحها وقتاً إضافياً لتسديد الإيجار.
وقف سامر خلف الباب مذهولاً.
كانت تلك المرأة التي أخبرته عن طريق الثروة عاجزة عن إدارة حياتها.
في تلك اللحظة فهم الحقيقة كاملة.
قال في نفسه:
"كيف لمن لا يستطيع أن يضمن مستقبله، أن يضمن مستقبل الآخرين؟ وكيف لمن يبحث عن المال من خوف الناس، أن يكون لديه مفتاح الغيب؟"
عاد سامر إلى بيته وهو يحمل خسارته، لكنه حمل معها درساً لن ينساه.
أدرك أن الإنسان قد يكون متعلماً وناجحاً، لكنه يصبح ضعيفاً عندما يسمح للخوف أن يقود عقله.
فالمستقبل لا يُكشف في أوراق، ولا يُقرأ في النجوم، ولا يُمنح مقابل المال.
المستقبل يُبنى بالعلم، والعمل، وحسن الاختيار.
أما من يبيعون للناس وهماً عن الغد، فهم في النهاية لا يبيعون المعرفة... بل يبيعون حاجة الإنسان إلى الطمأنينة.
وكان أكبر انتصار لسامر أنه لم يستعد أمواله فقط، بل استعاد الشيء الذي فقده أولاً:
عقله.
