الطيب والشرير.. وجهان بعملة واحدة

 


 

 الكاتب بلعربي خالد 

المشهد:

خشبة مسرح فارغة.

كرسي قديم في الوسط.

رجل واحد يدخل ببطء، يحمل عكازًا لا يحتاج إليه، لكنه يمسكه كأنه يحمل دليل براءته.

إضاءة على وجهه.

يجلس.

ينظر للجمهور طويلاً.

الطيب (بهدوء شديد):

أنا رجل طيب...

هذه أول جملة يجب أن تعرفوها عني.

لا تسألوا لماذا أقولها.

فالناس الطيبون لا يحتاجون إلى إثبات طيبتهم...

إلا عندما يبدأ أحدهم بالشك فيهم.

وأنا لا أحب الشك.

الشك عدو الإنسان الطيب.

لذلك جئت اليوم لأخبركم عن أعمالي العظيمة.

أنا الذي أعطيت الفقير رغيفًا...

(يصمت)

حسنًا... كان الرغيف في يدي.

لكنني كنت أفكر أن أعطيه.

والتفكير في العطاء نصف العطاء.

أليس كذلك؟

(يبتسم)

أنا أيضًا أصلحت نافذة الأرملة.

نعم... أنا الذي كسرتها.

لكنني لم أكسرها بدافع الشر.

كنت أريد أن أختبر قوة الزجاج.

والآن أصبحت تعرف أن الزجاج ضعيف.

لقد علمتها درسًا في الحياة.

أنا رجل مفيد.

أنا حتى أشعلت حربًا صغيرة بين الجيران...

لكن فقط لأعرف من منهم يحب السلام أكثر.

والنتيجة؟

اكتشفت أنهم جميعًا يحبون السلام.

لكن بعد أن انتهت الحرب.

وهذا اكتشاف مهم جدًا.

(ينهض ويقترب من الجمهور)

أنا لا أفعل الشر.

أنا فقط أرتكب أخطاء صغيرة جدًا...

ثم أكتب عنها كتبًا كبيرة تشرح لماذا كانت ضرورية.

هذه موهبة.

ليست كل الناس تستطيع تحويل المصيبة إلى نظرية.

(يضحك)

حتى الشرير يحسدني على ذلك.

(يصمت فجأة)

آه...

نسيت أن أخبركم.

هناك شخص آخر يعيش معي.

شخص مزعج جدًا.

دائمًا يهمس في أذني.

يقول لي:

"أنت كاذب."

(ينظر إلى الظل)

لكن لا تهتموا به.

إنه مجرد جاري.

يسكن في رأسي منذ سنوات.

الظل يشتد على نصف وجهه.

الشرير (بنبرة مختلفة):

لا تستمعوا إليه.

هذا الرجل طيب أكثر مما يحتمل العالم.

أنا فقط أساعده.

هو يريد أن يكون ملاكًا...

وأنا أذكره أن لديه أجنحة من لحم.

(يقترب من الكرسي)

أنا من كتب الإشاعة التي جعلت الناس يخافون من غد.

قلت لهم:

"الشمس ستنطفئ."

ولم أكذب.

الشمس ستنطفئ يومًا ما.

أنا فقط استعجلت الموعد.

أنا رجل دقيق.

أنا من مزق كتب التاريخ.

لماذا؟

لأن التاريخ لم يعطني المساحة الكافية.

كل صفحة كانت مشغولة بأشخاص ماتوا قبلي.

وهذا ظلم.

أنا أيضًا أريد أن أموت مشهورًا.

أنا من فرض ضريبة على الضحك.

نعم.

لأن الضحك أصبح خطرًا.

الناس يضحكون عندما يرون الحقيقة.

وأنا لا أريد للحقيقة أن تنتشر بلا تصريح.

(يضحك)

أنا أحمي المجتمع من الضحك الزائد.

أنا شرير منظم.

وهذا أفضل من الطيب الفوضوي.

الطيب يعود فجأة، بنفس الشخصية:

لا تصدقوه.

إنه يبالغ.

هو مجرد ممثل سيئ داخل رأسي.

أنا الذي أتحكم به.

أنا أضع له الكلمات.

أنا أسمح له أن يخيفكم قليلاً...

ثم أدخل أنا وأنقذ الموقف.

هذه طريقة ذكية.

مثل المسرح.

نصنع وحشًا...

ثم نصفق للبطل لأنه قتله.

(يتوقف)

لكن...

من كتب دور الوحش؟

(صمت)

أنا.

(ينظر إلى يديه)

ومن أعطاه السكين؟

أنا.

ومن طلب منه أن يخرج؟

أنا.

(يضحك بخوف)

يا لها من مصادفة مضحكة.

أنا الرجل الطيب الذي يصنع الشرير ثم يشكو منه.

أنا المريض الذي يصنع المرض ثم يبيع الدواء.

أنا السجان والسجين.

أنا القاضي والمتهم.

أنا المسرح والممثل والصفارة التي تعلن انتهاء العرض.

الشرير:

لكن لا تقل لهم الحقيقة.

سيغادرون.

الجمهور يحب الطيب.

الجمهور لا يريد أن يعرف أن الطيب يحمل الشرير في جيبه.

غطِّ الأمر.

قل لهم إنها مجرد مسرحية.

قل لهم إن الشر بعيد.

قل لهم إن الوحش يعيش في مكان آخر.

الطيب (بابتسامة):

نعم...

سنغطي الأمر.

سنضع عليه اسمًا جميلًا.

نسميه:

"خطأ بشري."

أو:

"ظروف صعبة."

أو:

"لم يكن هناك خيار آخر."

الكلمات مثل البطانيات...

تغطي الجثث جيدًا.

(يضحك)

لا تقلقوا.

لن أخرج من المسرح.

لن أذهب إلى الشارع.

هناك خطورة في الواقع.

في الواقع لا يوجد جمهور.

ولا تصفيق.

ولا إضاءة تخفي نصف الوجه.

هنا فقط أستطيع أن أكون بريئًا.

وهنا فقط أستطيع أن أكون مجرمًا دون أن يُقبض علي.

يجلس على الكرسي.

أنا الطيب.

أنا الشرير.

أنا الرجل الذي قتل الحقيقة ثم أقام لها جنازة جميلة.

(ينظر للجمهور)

لا تخافوا...

فأنا لن أفعل شيئًا.

أنا فقط سأفكر فيه.

والتفكير...

كما تعلمون...

نصف الجريمة.

(ينهض، يبتسم)

والنصف الآخر؟

إنه العرض القادم.

إظلام.

النهاية

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology