مطر أيلول.. ألا زلتِ تنتظرينه؟



أعادني صوت صديقتي ليان إلى الواقع، فشهقتُ بجزعٍ؛ إذ لم أشعر بدخولها إلى غرفتي. اقتربت هي من النافذة بهدوء، تنهدت وقالت: ـ كما أنتِ منذ تسعة أعوام! ألا تملّين من الوقوف خلف النافذة؟

التفتُّ إليها بضيق وقلت: ـ إنه أيلول يا عزيزتي.. ثم لماذا تدخلين هكذا خلسة؟ لقد أرعبتِني!

ضحكت بنبرة مستفزة وكأنها المرة الأولى التي ترعبني فيها، فتجاهلتُها وعدتُ أُحدّق في شوارع القرية، حيث كان مطر أيلول يبلل أشجارها وطرقاتها

عادت ليان تسأل: ـ ما بكِ يا ليل؟ أما آن الأوان لتنسي ذلك الحبّ اللعين؟ كم أيلولاً يجب أن يمرّ لتلتفتي لحياتكِ؟

زفرتُ بضيق وقلت: ـ رغم كل ما أشعر به في كل أيلول، إلا أنه أحبّ الأشهر إلى قلبي.. أشعر أن مطره قادرٌ على غسل مواجعي وأحزاني. 

ثم تنهدت وقلت : أما آن للغائب أن يعود؟

ردّت ليان بحزم: ـ مرّ على غيابه تسعة أعوام! لو كان يرغب بالعودة لعاد منذ زمن.. دعكِ من هذا الحديث، ولنذهب إلى المقهى لنحتسي القهوة؛ فالأجواء بالخارج في غاية الروعة.

أومأتُ لها برأسي، فقد كنتُ بحاجةٍ ملحة للخروج من دوامة أفكاري. ارتديتُ معطفي، ووضعتُ قبعة صوفية وردية على شعري،

وخرجنا معا.

دخلنا المقهى وجلسنا في زاويتي المفضلة عند النافذة التي تكشف القرية بأكملها. 

كان المشهد أمامي لوحة فنية ساحرة، بينما تنبعث في الخلفية معزوفة دافئة من جرامافون المقهى.

بدأنا نتبادل أطراف الحديث، ثم أشحتُ بنظري عن ليان فتطلعتُ عبر النافذة.. هناك، تحت زخات المطر، وقعت عيناي على رجلٍ يقف تحت الأشجار ينظر نحونا بعيون حائرة. 

لم أُعره اهتماماً في البداية والتفتُّ مجدداً، لكن سرعان ما أعدتُ نظري إليه..

ارتعشت أطرافي وتجمدت الدماء في عروقي؛ لقد كان هو! عاد أخيراً بعد تسعة أعوام!

بقيتُ أُحدّق به بدهشةٍ عاجزة عن النطق. لاحظت ليان ذهولي فنظرت عبر النافذة ثم شهقت بدورها. 

لكنني رأيتُ في عينيه نظرة ازدراءٍ وتشفٍّ غريبة، سرعان ما أعقبها بإدارة ظهره والابتعاد بهدوء.

نهضتُ بسرعة وخرجتُ أركض نحو المكان الذي كان يقف فيه، والأمطار تبلل وجنتيّ. رأيته يبتعد، فصرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة: ـ توقّف!

فتوقّف دون أن يلتفت إليّ.

 ركضتُ حتى وقفتُ أمامه مباشرةً، ونظرتُ في عينيه اللتين كانتا تفيضان بالبرود والقسوة. 

لم تسعفني الكلمات، وكل ما استطعتُ أن أنطق به وسط ذهولي هو: ـ لماذا عدت؟!

لم ينطق بكلمة، بل اكتفى بنظرة صمتٍ خانقة، فصرختُ فيه بنشيج: ـ أخبرني.. لماذا عدت؟!

تطلّع في عينيّ وسط غزارة المطر، وتلك القسوة التي ارتسمت على ملامحه لم تكن سوى قناعٍ هشّ أتقنَ ارتداءه لسنوات. 

حبساتٌ قليلة من أنفاسه المترددة كانت كفيلة بكشف الحقيقة؛ لم يكن صمته كبراً، بل ثقلاً يعجز لسانه عن النطق به.


ابتلع ريقه وقال وصوته يصارع المطر:

ـ تسعة أعوام وأنا أعيش في جحيم هذه الرسالة.. قيل إنها منكِ، تقول إنكِ بعتِ حبّنا لأجل غنى زائف. صدّقتها، ورحلتُ وأنا أجرّ خلفي جرحاً لا يندمل.


اتسعت عيناي وتجمّدت دمعةٌ حائرة على وجنتي امتزجت بماء أيلول. رسالة؟! أي رسالة؟

سحب من جيب معطفه الورقة القديمة التي أكلت أطرافها السنوات ومُزقت من بلل المطر. رفعها أمامي بيدين ترتجفان، والازدراء الذي رأيته في عينيه لم يكن موجهاً لي، بل كان لماضٍ زُيّف بحرفية ليفرق بيننا.

تابع بنبرة موجوعة: ـ تسعة أعوام وأنا أحمل هذا الكره لأحمي نفسي من الحنين.. وفي كل أيلول، كان هذا المطر يغسل كبريائي ويقودني إلى هنا، لأقف تحت هذه الشجرة وأتأكد بنفسي: هل فعلاً نسيتي؟!

اقتربتُ منه خطوةً واحدة، الخطوة التي انتظرها أيلول لتسعة أعوام كاملة. 

رفعتُ يدي المرتجفة ولمستُ طرف الورقة المبتلّة، وقلتُ بصوتٍ خنقته العبرات: ـ هذا ليس خطي يا سراج! أقسم لكَ بكل أيلولٍ عشناه سويةً.. هذا ليس خطي!

تجمّد في مكانه، وكانت قطرات المطر تتساقط من أطراف شعره على ملامحه المنذهلة. 

نظر إليّ يبحث في عينيّ عن أي أثرٍ للكذب، لكنه لم يجد سوى انكسار سنواتٍ تسع من الانتظار.

همستُ والكلمة تخرج كالجمر من حنجرتي: ـ أبي.. هو من فعلها! عندما رفضتُ ذلك الغنيّ وظللتُ متمسكةً بك، عندما عجز عن كسري، التفتَ إلى نقطة ضعفي الوحيدة.. أنت!


ساد صمتٌ رهيب لم يكن يقطعه سوى صوت انهمار المطر. كان سراج يبتلع الحقيقة كمن يبتلع زجاجاً مكسوراً.

أردفتُ بصوتٍ يرجف: ـ خمس سنوات من الحب يا سراج.. كيف صدّقت أنني قد أبيعها في رسالة؟ كيف سمحت لكبرياء قلبك أن يقتنع بأنني أحببتُ غيرك وتخليتُ عنك؟

أغمض عينيه بقوة، وسقطت أول دمعة حقيقية تكسر قسوته المزيفة. 

كان كبرياؤه جرحاً ينزف منذ تسعة أعوام؛ الجرح الذي جعله يرحل دون مواجهة، مفضلاً الشقاء بالبعد على أن يسمعها مني مباشرة.

خفّ صوت المطر قليلاً، واقترب مني خطوةً احتوت كل المسافات والأعوام التي فصلتنا. رفع يده المترددة ليحيط وجنتي، وكان ملمس يده دافئاً رغم برودة الطقس.

قال بنبرة خنقها الشوق: ـ كنتُ أحمقاً يا ليل.. تسعة أعوام وأنا أعيش في جهنم هذا الظن، أحملكِ في صدري جرحاً لا يبرأ، ومع ذلك لم أستطع أن أشفى منكِ.. كنتُ آتي في كل أيلول، أقف تحت هذه الشجرة، أرقب النافذة من بعيد، وأعاقب نفسي برؤيتكِ دون أن أجرؤ على الاقتراب.

تنهد بعمق وهو ينظر إلى عينيّ: ـ عدتُ اليوم لأنني عجزتُ عن كرهكِ، عدتُ لأرى بعيني كيف يعيش من سرق عمري.. فإذا بي أكتشف أننا كلينا كنا ضحية تلك الكذبة.

بدأ يتساقط المطر بهدوء وكأنه يغسل الماضي، وقفنا يعيد كلٌ منا اكتشاف الآخر.

 تسعة أعوام ضاعت في الوهم، لكن أيلول الذي جمعنا أول مرة، هو نفسه من منحنا اليوم فرصتنا لنبدأ من جديد.


وفي حضن أيلول، لم يعد المطر مجرد ذكرى، بل صار وعداً جديداً بأن الحب الحقيقي لا يضيع مهما طال الغياب..”

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology