بقلم أ/عزمي صالح الدعجري
في أروقةِ التاريخ، كانت البصيرةُ مقياسًا لوجودِ الإنسان، وعُمقُ الفِكرةِ برهانًا على شَرَفِ المحاولة. غيرَ أنّنا نعيشُ اليومَ خريفَ المَعنى، زمنًا تَوارَت فيهِ الحقائقُ خلفَ سِتارِ العَرْض، وأُقِيمَت فيهِ هياكلُ المَظاهِرِ على أنقاضِ الجَوهر؛ إنه "عصرُ الاستعراض" الذي غدَت فيه الصورةُ أشدَّ بلورةً من أصلِها، والوهمُ أكثرَ إقناعًا من واقعِه. إنّ الخدعة الكبرى التي يمارسها عالمنا اليوم – وتحديدًا في مجتمعاتنا العربية – هي تحويل الوجود الإنساني من "حالة كينونة" إلى "منصة للعرض". لقد أضحى الفردُ يتعرّفُ على ذاتِه لا بما يحمله من قيمٍ ومبادئ، بل بمقدارِ ما يَستنسخُه من صورٍ تُعجبُ الآخرين. وفي مجتمعاتٍ تختزنُ بطبيعتِها طاقةً هائلة من الشغفِ بالوجاهةِ والمكانة الاجتماعية، وجَدَت وسائطُ التواصلِ أرضًا خصبة؛ فباتَ الاحتفاءُ بالشكل أسرعَ سبيلٍ لانتزاع الاعتراف بالوجود. لقد صِرنا نرى الهياكل الفخمة تشيد دون أساسات فكرية صلبة، والكلماتِ البرّاقةَ تُصاغ دون عُمقٍ معرفيٍّ يسندها. أصبحت الصورة تعبيرًا عن ادّعاء الامتلاك لا جوهر الامتلاك نفسه؛ فنجد الشغف بالظهور يستنزف العقول، والركض خلف لقطة خاطفة يستهلك أثمن لحظات العمر. هكذا يتضاءل اليقين، وينحسر صدق المشاعر لفسح المجال أمام مشاهد مسرحية مُتقنة الصنع، يُقاد فيها الفرد برغبة قهريّة ليُرى، لا ليَكون. هذا الطغيانُ للصورة لا يُشكّل أزمةً جماليةً فحسب، بل هو شرخٌ في وجدان الأمة؛ إذ يُفرغ القيم الأصيلة من محتواها، ويُحيل المعرفة إلى قشور، والعلاقات إلى بروتوكولات جافة تسعى لإرضاء عين المتابع لا راحة الضمير. أليست الفاجعة الكبرى أن يُقاس النجاح بعدد الأنظار الملتفتة إليك، لا بحجم الأثر الذي تتركه في نفوس الآخرين؟ إن الاستعادة الحقيقية للذات تبدأ من كسر هذه المرآة الزائفة، والعودة إلى إدراك أن قيمة المرء تكمن فيما يُضمره من عمق، وما يبنيه من أثر، لا فيما يستعرضه أمام العابرين. فالصورةُ مهما بلغت دقتها ستمضي وتتلاشى، ويبقى الجوهر وحده شاهدًا على حقيقة ما كنّاه.