الكاتب بلعربي خالد
المشهد الأول:
الظلام التام. يُسمع صوت أنفاس كلب هادئة من مكان غير محدد. صمت. ثم صوت مخلب يضرب الأرض ضربة خفيفة. تظهر إضاءة خافتة على المدير جالسًا على كرسي خشبي في منتصف الخشبة.
.ينظر إلى المساحة الفارغة، ثم يبتسم.
المدير: أنيس... تأخرت اليوم. .......
ماذا؟
كنتَ نائمًا؟
طبعًا... أنت الوحيد الذي يعرف كيف ينام في هذا البيت دون أن يشعر بالذنب.
(صمت، كأنه يستمع.)
لا، لا تنظر إليّ هكذا. أعرف هذه النظرة. أعرفها جيدًا. أنت تقول: «أنت الذي لا تنام.»
(يضحك.)
نعم... صدقت. لم أنم منذ سنوات. منذ أن صار البيت أكبر من أهله.
(يميل قليلًا نحو المكان الذي يتخيل وجود أنيس فيه.) تعال... اقترب. لا تجلس هناك، أنت تعرف أنني لا أحب أن تكون بعيدًا عني.
(يتوقف، ثم يتظاهر بأن الكلب اقترب.)
هكذا... أحسن. الآن أشعر أن البيت فيه أحد. صمت قصير. كلبي أنيس... يا آخر من بقي لي في هذا البيت الكبير. يا ظلي حين غابت الظلال. يا صديقي الذي لا يسألني لماذا تغيّرت، ولا يلومني لأنني صرت وحيدًا. كنت أظن أن البشر أوفى. كنت أظن أن الزوجة سند، وأن الأبناء امتداد، وأن البيت إذا امتلأ بالغرف والأصوات يصبح وطنًا.
(ينظر حوله.)
لكنهم رحلوا جميعًا. وبقي البيت. وبقيت أنا.
(ينظر إلى الفراغ بجانبه.)
وبقيت أنت... أو هكذا أحب أن أعتقد. يصمت لحظة، ثم يبتسم: لا تقل شيئًا. أعرف أنك موجود.
(ينظر إلى المكان الفارغ.)
على الأقل... دعني أصدق أنك موجود. تتغير الإضاءة قليلًا، كأن الذاكرة بدأت تستيقظ. كنت أظن أنني بنيت صرحًا لا يهتز. أربعة طوابق من الرخام والزجاج... حديقة واسعة... سيارات... غرف لكل واحد من الأبناء... غرفة للضيوف لم يدخلها أحد تقريبًا... وغرفة أخرى كانت زوجتي تسميها «غرفة الفوضى» لأنها كانت تعرف أنني سأغضب إذا قالت «المخزن».
(يضحك.)
يا إلهي... كم كانت تعرف كيف تستفزني. كأنه يسمع أنيسًا: ماذا تقول؟ أنني كنت أخاف منها؟ أنا؟
(يضحك.)
لا تضحك! كنتُ مديرًا لمؤسسة فيها مئات الموظفين. كان الرجال يقفون عندما أدخل المكتب. أما في البيت...
(يتوقف.)
في البيت كنت موظفًا صغيرًا عند زوجتي. يصمت لحظة، ثم يبتسم: لكنني كنت أحب ذلك. لا تخبر أحدًا. يتغير صوته، كأنه يستعيد زمنًا قديمًا. في البداية كانت تقول لي: «أنت أجمل رجل في العالم.» وبعد عشرين سنة قالت: «أنت أجمل رجل... إذا لبست النظارة ولم تتكلم.»
(يضحك.)
وفي السنوات الأخيرة... لم تعد تقول «أجمل رجل». كانت تقول: «أين وضعت مفاتيحي؟» فأقول: «لا أعرف.» فتقول: «إذن لا فائدة منك.»
(يضحك من قلبه لأول مرة.)
كانت رومانسيتها تتطور مع العمر.
ينظر إلى الفراغ:
أليس كذلك يا أنيس؟
أنت تعرف. كنتَ حاضرًا في كل شجاراتنا. بل أكثر مني أحيانًا. كانت عندما تغضب مني تقول: «حتى الكلب يفهمني أكثر منك.» وكنتُ أقول لها: «طبعًا، لأنه لا يستطيع الكلام.»
(يضحك.)
كانت تنظر إليّ... ثم إلى أنيس...
ثم تقول: «على الأقل هو يسمع.» يتوقف عن الضحك تدريجيًا. وأنا... كنت أضحك. كنت أظن أن هذه الأشياء ستبقى إلى الأبد. صمت. لم أعرف أن الإنسان لا يكتشف قيمة الضجيج إلا بعد أن يصبح الصمت هو الصوت الوحيد في البيت. يميل إلى الأمام: أتذكر الأولاد؟ طبعًا تتذكرهم. أنت كنت شريكًا في جرائمهم. لا تتظاهر بالبراءة.
(يشير بإصبعه إلى المكان الفارغ.)
أنت تحديدًا! أتذكر يوم كان ابني الأصغر في الخامسة؟
دخل عليّ إلى المكتب وقال بكل جدية: «أبي، أريد أن أستعير سيارتك.» قلت له: «إلى أين؟» قال: «إلى المدرسة.» قلت: «وأنت في الخامسة؟» قال: «نعم، لكنني لا أستطيع القيادة وحدي، سأضع أنيس بجانبي.»
(يضحك.)
كان يظن أن الكلب يعرف القيادة!
(يتوقف وكأنه يستمع.)
ماذا؟ لا تقل إنك كنت تعرف القيادة فعلًا. يضحك. يا أنيس... أنت كنت أذكى واحد في هذه العائلة. مرة أخرى... لا، بل كنت الوحيد الذي لم يطلب مني مالًا. يصمت لحظة. ابنتي كانت في السادسة حين قررت أنها ستصبح ملكة. لبست ستارة أمي فوق رأسها، وأجبرت أخاها على الانحناء أمامها. وأنا؟ كنت الوزير. وزوجتي كانت الخادمة.
(يضحك.)
يا لها من مملكة! كنا جميعًا نعيش فيها دون أن نعرف أننا سنفقدها يومًا. وكان ابني الأوسط يصرخ في كل مرة: «أنا لا أريد أن أكون أميرًا، أريد أن أكون قرصانًا!» ثم يختبئ خلف الستارة.
(ينظر إلى المكان الفارغ.)
وأنت كنت تلاحقه في كل البيت. أتذكر؟ كنتما تحطمان كل شيء. وأنا أطاردكما وأنا أصرخ: «سأقتلكم!»
(يتوقف.)
ولم أقتل أحدًا. كنت فقط أخاف أن ينكسر شيء. صمت. واليوم... كل شيء سليم. الطاولات سليمة. الزجاج سليم. الصور في أماكنها. السجاد لم يتغير. حتى الساعة القديمة ما زالت تعمل.
(ينظر حوله.)
الشيء الوحيد الذي انكسر... هو البيت. صمت طويل. ابنتي رحلت إلى مدينة بعيدة. قالت إنها تريد أن تصنع حياتها بنفسها. قلت لها: «اصنعيها، ولكن لا تنسي بيتك.» قالت: «لن أنسى.»
(ابتسامة ساخرة.)
الإنسان يقول «لن أنسى» بسهولة عندما يكون بعيدًا. ابني الأول صار يعزف الكمان في بلد الضباب. تزوج من امرأة لم أعرف كيف أنطق اسمها في البداية، ثم اكتشفت أنني لم أعد أعرف حتى اسم ابني كما كان. أما ابني الثاني، المهندس، فقد وجد مؤسسة كبيرة تشتري الوقت والعقل والحياة. ذهب إليها وقال لي: «هذه فرصتي.» قلت له: «وأين أنا؟» قال: «أبي، سأعود.»
(صمت.)
لم يعد. ينظر إلى المكان الذي يتخيل فيه أنيس: ماذا تقول؟ لا، لا تبدأ. أعرف أنك ستقول إنني كنت أطلب منهم البقاء أكثر مما ينبغي. وأنني كنت أريدهم نسخة مني. ربما. ربما كنت أبًا يريد أن يرى نفسه في أبنائه. وربما لهذا هربوا مني إلى حياتهم. صمت. وزوجتي...
(يبتسم.)
آه، زوجتي قصة أخرى. كانت تقول لي في بداية زواجنا: «سأبقى معك حتى آخر العمر.» فكنت أقول لها: «وأنا معك حتى آخر العمر.»
(يصمت.)
يبدو أننا اتفقنا... لكننا اختلفنا على معنى «آخر العمر». (ضحكة قصيرة.)
في السنوات الأولى، كانت إذا غضبت مني تنام وظهرها إليّ. فأقترب منها وأقول: «زوجتي...» لا جواب. أقول: «ملكة قلبي...»
