بقلم رنا الطويل
في ثقافتنا الشعبية، ارتبطت عبارة “العيش والملح” بالوفاء، بالعِشرة التي تُحفظ في الذاكرة، وبالروابط التي لا يقطعها الزمن. كانت اللقمة المشتركة رمزًا للأمان، وشاهدًا على ميثاق صامت بين النفوس. لكن، هل ما زال لهذا الموروث نفس القيمة في زمن تغيّرت فيه القلوب؟
كان “العيش والملح” يومًا ما عهدًا يُحترم، لكن اليوم… صار مجرد مشهد عابر. كثيرون جلسوا على موائدنا لا بدافع المحبة أو العِشرة، بل بدافع الجوع وحده. يقتسمون الخبز معنا، لكنهم لا يقتسمون الوفاء. بعضهم يأخذ قوتك، ثم يتركك جائعًا للثقة. وبعضهم يمد يده إلى طبقك، وفي الوقت ذاته يمد خنجرًا إلى ظهرك.
العيش والملح لم يفقدا قيمتهما بذاتهما، بل فقداها حين فقد الناس قيمتهم. حين أصبحت المصلحة أقوى من الذكرى، والجحود أسرع من الامتنان. لم يعد يكفي أن تجمعنا مائدة لنضمن القلوب، ولا أن نقتسم اللقمة لنضمن العِشرة. الوفاء لا يُشترى بالخبز، بل يُثبت بالفعل.
كانوا يقولون: “بيننا عيش وملح”، وكأن اللقمة الواحدة تكتب عهدًا لا يُكسر. أما اليوم، فقد صارت المشاركة امتحانًا للقلوب أكثر من كونها امتحانًا للبطون. من يصونك وهو شبعان، هو من كان سيصونك وهو جائع. ومن يطعنك بعد أن شبعت معدته، لن يرحمك لو كان جائعاً.
العيش والملح لم يعودا ضمانة للوفاء كما كانا يومًا. فالمائدة قد تجمع الأجساد، لكنها لا تجمع القلوب. الوفاء ليس لُقمة تُقتسم، ولا ملحًا يُرشّ، بل معدن أصيل يسكن الروح، إمّا أن يظهر في المواقف، أو يغيب إلى الأبد.
