قصص قصيرة جداً

 

 



حسين بن قرين درمشاكي

كاتب وقاص ليبي




نُصُب

​بإزميلٍ بارد، كان ينتشلُ الحجارةَ من تحتِ أسقفٍ لا تزالُ تحتجزُ أنفاسَ أصحابها. في الميدان، كشطَ عن وجهِ الحجرِ غبارَ الركام. نحتَ مكانهُ ثغراً مفرطاً في التفاؤل. هوى بمطرقتهِ. انبعثتْ رائحةُ الخزائنِ المهجورةِ وثيابِ الموتى. استقامت الهيئةُ على قَامةِ بطل. يومَ الزينة، غطّت خُطبُ القادةِ على عويلِ الريح. وضعَتِ الأراملُ الزهورَ تحت الحذاءِ الرخاميّ. لم ينتبه أحدٌ لترابٍ يتساقطُ من عينِ التمثال كلما مرّ به طفلٌ يبحثُ عن وجهِ أبيه. ذاك النصبَ.. لم يكن سوى شاهدِ قبرٍ ضخم، أخطأ مكانَه في المقبرةِ، ليستقرَّ في قلبِ المدينة.




ثوبُ الخليفة

​بين مطارقِ المزايدين.. استلقتْ بلادٌ خُلِعتْ أبوابُها. جاء الحائك. شقَّ كفنَ التاريخ ليسترَ عورةَ نصله الصدئ. صبغَ لحيتهُ بمدادِ السفارات. ارتدى قناعَ الرئيسِ فوق وجهٍ يقطرُ مِلحاً وإقصاءً. ​ظنَّ أنه ينسجُ عرشاً. لم يدرك أنَّ الخيوطَ في يدهِ ليست إلا أمعاءَ الجغرافيا التي يمزقها. وأنَّ العطرَ الذي رشَّهُ ليخنقَ رائحةَ الجثث.. لم يزد الخنجرَ في خاصرةِ البلادِ إلا لمعاناً. ​انتهى. ضجّت القاعةُ بتصفيقِ الجمهورِ المستعار. الأرضُ تحت قدميه.. تنكمشُ، تبتلعُ هويتها، وتلفظُ الحائكَ وما غَزَل.




اِكْتِفَاء

وقفت أمامه تمسح عن جبينه تعب الطريق. سألته بمكر الأنوثة: أما زال في قلبك متسع لسواي؟. لم يجب بلسانه. مدَّ يده نحو خريطة العالم المعلقة على الجدار. طواها برفق. استحالت حبةَ خردلٍ. ألقاها في الزاوية. أمسك مرآة صغيرة. وضعها أمام عينيها. همس: ضاق الكون. لم تبقَ إلا هذه النقطة. إنها أنتِ. كل ما خارج حدود زجاجكِ.. فراغٌ. نظرت في المرآة. لم ترَ وجهها؛ فقط قلبه يسكن حدقتيها.




مِعراج

​تزاحمتِ الأكفُّ لتتبرّك بطرفِ جُبّة "مصطفى"، بينما رُوحُه تُحلّق خلف سِدْرة المُنتهى. هُناك، عندَ الحُجُبِ السبعة، لاحَ طيفُ "فاطمة". اندفعَ بكُلّيتِه، يمدُّ أصابعَه ليمسكَ بطرفِ رِدائها النورانيّ، وشقَّ صمتَ الملكوتِ نداءٌ مبهور: "يا كُلّي!". ​التفتتْ إليه.. لم تكن "الحقيقةَ المطلقة"؛ كانت أمَّه الراجفةَ تهزُّ مهداً فارغاً، وتهمسُ لذهولِه: نَم يا صغيري.. فكلُّ ما رأيتَ كان مِعراجاً من دُخان، لأسكاتِ مَعدتِك الخاوية.




قُدّاسُ الملح

​تجمهروا عند بوابة مدينته المجازية، شاهرين أختاماً خشبية نُحتت عليها رتابة: "روعة.. جميل.. سلِمتْ". ​مدّ سادنُهم يدهُ يمسحُ جدار النص بمديحٍ أعرج. انتفض الحرفُ نصلاً. انشقّت الأرضُ عن صمتٍ فاضحٍ ابتلع ثرثرتهم. بقيت القصيدةُ عاريةً إلا من أظفار كمالها. ​أطلّ من شرفة المعنى، رجمهم بنظرةٍ سلبتهم الظل: "شيّدتُ هذا المعبد لترتعش أصابعكم وهي تُحاول لمس النار. ارحلوا.. فما عادت قوافلي السبعُ تشربُ من آبار صفقاتكم!" ​مضوا بوجوهٍ مطفأة.. نمت خلفهم أعشابٌ تقتاتُ على الذهول.




تَرِكة

أمامَ السطوةِ الكاسرة، جثمت الغنائم: عجلٌ، كبشٌ، وغزال. زمجرَ الأسد: اقسموا! ​اندفع الضبعُ بلهفةٍ عمياء: العجلُ لك.. الكبشُ لي، الغزالُ للذئب. ​بلمحة مخلب، طارت أذنُ الضبع. ارتدّ يعوي. ​التفت الملكُ للذئب: دَورك. أطرقَ الذئبُ طويلاً، ثم همس: مولاي.. العجلُ لفطورك، الكبشُ لغدائك، الغزالُ عشاءُ مقامك. ​اتسعت حدقتا الأسد: يا لك من حكيم! مَن علّمك هذه الموازين؟ ​أشارَ الذئبُ نحو الأذنِ الملقاة.




خيانة الظل

​أمام نصل سيفي، وقف الخصمُ يفيضُ كبرياءً. أغمدتُ سلاحي إجلالاً لصموده. خلفي، استلَّ التابِعُ خِسّته. أجهزَ على الجريحِ طمعاً في رضاي. التفتُّ إليه. لم أرَ نصيراً. لمحتُ في خنجره الملطخ دمي أنا في معركةِ غدٍ. مسحتُ سيفي بطرفه. مضيتُ. أدركتُ أنني وأدتُ عدواً يحفظُ وجهي. استبقتُ حليفاً سيستدبرُ ظهري.




صقيع

​جدارٌ أزرق يتقشر. ذقنٌ مُرسيةٌ فوق ساعدين؛ كقاربٍ مُحطّم في حصارِ السواد. ​عبرت جنازة، وتلاها زفاف. الريحُ التي نبشتْ خصلةَ الشعر لم تحركِ الأجفان. وحدَه الخاتمُ كان يَعضُّ ببرودٍ على الصمت. ​قطعةٌ معدنية ألقاها عابرٌ في الحِجر.. بقيتْ هناك. ومع انكماشِ الظلِّ عند المغيب، لم يبقَ من الهيئةِ إلا طيّات قماشٍ شاغرة. ​كان وجهاً شمعياً.. لم يدرك المارةُ أنه يخصُّ غائباً غادرهُ منذ أعوام.




سِراج

​كلّما انطفأ قنديلٌ في الزقاق، أشعلَ ذاكرته. يسخرُ العابرون من انحناءته وهو يرمّمُ بطلاءٍ جافٍ جداراً هدمته الجرافات. عند الغروب، مسح الغبار عن لافتة الدار. رسمت ريشته نافذةً يسيلُ منها الضوء وصوتُ أمّه. ​على الطرف الآخر، كان المهندس يصرخ في هاتفه: الأرض قاحلة.. لا يوجد هنا سوى الخراب!




رُخام

​تُرتّبُ وجهَها في المرآة. تطلي وجنتيها بالضُّحى. تُغلقُ سحّابَ الصبرِ فوقَ أنينِها. ​في الزقاقِ العتيق، لمستْ رُخامَ الدار. انبجسَ صوتُ طفولةٍ لا تشيب. ​العابرون يقرؤون ابتسامةً. تدسُّ وطنَها المبتورَ في جيبِ الغياب. ​تمضي قنديلاً يضيءُ للغرباء.. ويحترقُ بزيتِ الحنين.




خَلَف

​جثا يُلمّعُ سيفَ جَدِّهِ الأسطوريّ. استغرقَ في الصَّقلِ. أبصرَ وجهَهُ الشاحبَ يرتعشُ على النَّصل. تنهّدَ بفخرٍ. مسحَ دمعةً سالت على الرُّخام. الغريبُ يقتلعُ وتدَ خيمتِه.




ناجٍ

​استلَّ من جرحِهِ مداداً لقصيدته. وبينما كان العابرون يملأون الفراغ بالضجيج، كان هو يبني بالوجع بيتاً من حبر. حين أنهى كتابة مأتمه الأنيق، فَهِمَ الحقيقة؛ لم يكن الشعر يداوي جرحه، كان رصاصة الرحمة التي منحها لنفسه.




خُطى القيامة

​لم تفرَّ من العاصفة. كانت تقتادها. ​ابتلع الغبارُ جهاتِ المدى. مشت هي بثباتٍ يخدش صمت الرمل. كلُّ خطوةٍ تغرسها في الكثيب تترك خلفها أثراً لا تجرؤ الريحُ على طمسه. كانت ترتدي الصمت درعاً. عيناها خلف لثام العتمة تُبصران ما لم يرهُ الراحلون منذ دهر. ​توقفت فجأة. هدأ كل شيء. لم تلتفت لترى ما ضاع خلفها. نظرت إلى كفّها الخالية. هناك، نبتت أول قطرة مطر من عَرَقِ صبرها. العالم يحترق.




كَشط

​رصيفُ القصرِ.. نظراتٌ مثقوبة. عابرٌ ألقى عُملةً؛ طالعَ العجوزُ وجهَ الزعيمِ المطبوعَ عليها، بصقَ مرارتهُ فوقَهُ، ومسحَ بالورقةِ زجاجَ سيارةٍ فارهةٍ.. كانت تدهسُ ظلَّه.




مسامات

​توقّف الشيخُ عند فجوةِ الجدار. لم يطلب طلاءً يواري الندوب. غرفَ من ترابِ الأرضِ عرقاً. حشا الثقبَ بصمت. ​سألوه: لِمَ لا تنتظرُ مهندسي الحدود؟ ​نظرَ إلى كفّهِ المتسخةِ بالانتماء، وقال: "البيوتُ التي لا تسندُها حيطانُها من الداخل.. عاريةٌ ولو سكنها العالم.




تَبَادُل

​أَحْكَمَتِ الرِّباطَ على عينيها لئلّا يرى العالمُ حزنها. استحالَ الكَتّانُ عُشّاً. هبطَ طائرٌ على جسرِ أنفها. أعارَها جناحيهِ لتُبصرَ المدى. استعارَ عينيها ليُجرِّبَ لذّةَ البكاء.




ثقوب

​قايضَ معطفَهُ بكتابٍ عن النجاح. ماتَ الأبُ برداً. قرأَ الابنُ فصلَ التضحية. باعَ الكتابَ.. واشترى دُخاناً.




تَورُّقُ الذَّاكرة

​هزَّ الخريفُ شرفتَها؛ تساقطتِ الوعودُ مرايا مهشمة. وحيدةً، لملمتِ الحطام.. في كلِّ شظيةٍ اكتملَ وجهُ أُمِّها. مدَّت أصابعَها للفراغ؛ نبتَ الغصنُ من مسامِ كفِّها.




لُكنة

​عند سفح المئذنة، انبرى غريبٌ يتزيّن بعِقْدنا الموروث. يلثغ بلساننا عن الطهر حتى اخضلّت اللحى بالبكاء.

انحنوا لتقبيل كفّه تبرّكاً؛ فانزلقت من كمّه خارطةٌ لبيوتهم.. رُسمت بدمائهم، ومُهرت بختم عدوٍّ مقيم.




خُلُوّ

​عناكبُ نَسجتْ أقفالاً على الأبواب. كلما غسلَ يديهِ، طَفَتْ بقعٌ لا يراها الصابون. المرآةُ.. شاغرة!




وفاء

​تبللت لحيتهُ وهو يعددُ مناقبها للباكين، لكنه نسيَ أن يغسلَ آثارَ السمِّ عن أصابعِهِ.




صهيل

​عزَّتِ الخيول. ركلَ خاصرةَ اليأس. أسرجَ المستحيل. رأى وجهَ الوطن.




انحياز

​زرع تاجرُ الأرواح الفناء؛ أنبتت بندقيةُ الجندي سناً.




اعتراف

​فوق الركام، نافذةٌ رسمها عجوزٌ؛ أبصرها الضوءُ..أنكرها المهندس.




حريّة

فتحَ بابَ القفصِ. طارَ العصفورُ... إلى الداخل!




مواراة

المصالحة: قدر يسبق الخيار.. كفن يواري الشعار.




1 تعليقات

أحدث أقدم

Recent in Technology