السَّاكِنُ الوَحِيدُ

 

ا


 بقلم لَبِيب عَتِيق

كُلَّمَا انْتَهَيْتُ مِنْ كِتَابَةِ قِصَّةٍ أَوْ قَصِيدَةٍ، قُلْتُ فِي نَفْسِي مُتَسَائِلًا: مَاذَا سَأَكْتُبُ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ؟ لَا أَعْتَقِدُ أَنِّي أَسْتَطِيعُ، فَقَدْ كَتَبْتُ أَجْمَلَ وَأَفْضَلَ مَا عِنْدِي.


وَمَا أَنْ أَكْمِلَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، حَتَّى تَأْتِينِي بَنَاتُ أَفْكَارِي بِسَيْلٍ مِنَ الْأَفْكَارِ. وَفِي لَحَظَاتٍ بَسِيطَةٍ، يَدُورُ الْحِوَارُ فِي مُخَيَّلَتِي، لِأَنْتَقِلَ بَعْدَهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الْخَفِيِّ فِي عَالَمِي الْخَاصِّ، حَيْثُ لَا يَسْكُنُ فِيهِ أَحَدٌ سِوَايَ.


أَتَنَقَّلُ وَأَمْشِي فِي أَزِقَّتِهِ الضَّيِّقَةِ، وَأَسْرَحُ وَأَمْرَحُ فِي شَوَارِعِهِ وَسَاحَاتِهِ الْوَاسِعَةِ بِسَيَّارَتِي الْفَاخِرَةِ. وَقَدْ أَكُونُ فِيهِ رَاعِيًا لِلْأَغْنَامِ، أَوْ فَارِسًا نَبِيلًا، وَلَرُبَّمَا شَيْخًا حَكِيمًا. 


ذَاتَ مَرَّةٍ كُنتُ فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ مَارِدٍ عِمْلَاقٍ، يَهَابُهُ كُلُّ شَيْءٍ حَوْلَهُ. وَمَرَّةً أُخْرَى، كُنتُ فِيهِ صَبِيًّا صَغِيرًا أُلَاحِقُ الكَلِمَاتِ الَّتِي عَلَى هَيْئَةِ فَرَاشَاتٍ. ثُمَّ صَارَتْ أَرَانِبَ صَغِيرَةً، فَضَفَادِعَ، ثُمَّ إِلَى سَمَكَةٍ فِي البُحَيْرَةِ. فَأَغُوصُ فِيهَا غَيْرَ مُبَالٍ بِالتَّمَاسِيحِ الَّتِي عَلَى الضَّفَّةِ.


نَهَارُهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ الْيَوْمَ بِأَكْمَلِهِ، فِي حِينِ أَنَّ لَيْلَهُ لَا يَنْتَهِي. عَالَمٌ أَصُوغُهُ كَمَا أَشَاءُ، وَأَحْيَانًا هُوَ مَنْ يُصَيِّغُنِي. مُنْذُ صِغَرِي وَأَنَا عَلَى هَذَا الْحَالِ، حَتَّى كِدْتُ لَا أَعْلَمُ: ءأَنَا مَنْ أُسْكِنُهُ، أَمْ هُوَ مَنْ يُسْكِنُنِي؟



إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology