بقلم هيا برماوي
رمضان زمان لم يكن شهرًا عابرًا في التقويم،
بل كان حكاية تُروى مع كل مغيب شمس.
لطالما قيل إن رمضان ضيفٌ عجول، لكنه كان — ولا يزال — ضيفًا عزيزًا.
كنت أسمع أصوات الشيوخ في كل عام وهم يودّعون رمضان، تعلو من على منابر المساجد، فيضجّ المسجد بأكمله بالبكاء، وكأن القلوب جميعها ترفض الفراق.
كنت أتلّهف لرمضان في تلك الأيام، أراقب السماء كل ليلة، وأنتظر اللحظة التي يُعلن فيها عن رؤية الهلال بفارغ الصبر.
أخرج إلى الحارات لأشاهد أجمل ما يمكن أن تراه العين؛ فوانيس رمضان في كل مكان، تُضيء الأزقة الصغيرة لا بالكهرباء، بل ببراءة الألوان وصدق الانتظار. كانت تُعلَّق على الأبواب، أو تُمسك بأيادٍ صغيرة تركض بها في الحارة، فتملأ المكان فرحًا لا يُشترى.
رمضان زمان كان لَمّة الأهل والأحباب، لَمّة لا يُخطَّط لها، ولا تحتاج دعوات. تجتمع العائلة كلها حول مائدة واحدة، مهما كانت بسيطة.
أرى أمي كل يوم تتلو القرآن على شرفة المنزل، ثم تنهض لتعدّ لنا الإفطار بكل حب وحنان. كانت أطباقها مشبعة بالمحبة، طبق واحد يكفي الجميع.
لم تكن الموائد عامرة بالأصناف، لكنها كانت عامرة بالقلوب.
صوت الأذان كان لحظة صمتٍ مقدسة؛ تتوقف فيها الأحاديث، وتُرفع الأكف بالدعاء. ننظر إلى بعضنا ونبتسم، وكأننا أنجزنا شيئًا عظيمًا.
ننهي إفطارنا، نشكر الله على نعمه، ونصلي صلاة الجماعة معًا، ليغمر المنزل السكينة والطمأنينة، ثم نشرب قهوتنا التي تعيد ترتيب يومنا الجميل.
بعدها تبدأ الحكايات؛ ضحكات، ذكريات، وأحاديث لا تنتهي. بلا هواتف تسرق اللحظة، ولا شاشات تفرّق الجلسة.
تسرقنا اللحظات إلى وقت السَّحَر، الوقت الأجمل. نجتمع بكل حب، وكم كنت أحب وقت السحور؛ أشعر بدفء غريب يتسلل إلى قلبي ونحن نتناول طعام السحور معًا.
كانت ليالي رمضان زمان أطول، أدفأ، وأقرب إلى القلب.
سهرات على ضوءٍ خافت، رائحة القهوة، وصوت القرآن ينساب بهدوء.
الأطفال ينامون وهم يحلمون بالمسحراتي، وبصوته الذي كان يوقظ فينا فرحًا لا ضجرًا.
كان كل شيء أجمل، وكل شيء في رمضان كان يفرحنا، حتى أدقّ التفاصيل.
اليوم تغيّر كل شيء، إلا أن رمضان زمان ما زال حيًّا في الذاكرة. نشتاق إليه، لا لأنه كان أفضل، بل لأنه كان أصدق.
كان يجمعنا، يهدّئنا، ويعلّمنا أن الفرح الحقيقي لا يحتاج الكثير، بل يحتاج إلى لَمّة الأهل.
رمضان زمان بين الفوانيس واللِّمّة…
لم يكن زمنًا فقط، بل إحساسًا ما زلنا نبحث عنه في كل رمضان يأتي.
