التعليم بين الأمس والرقمنة

 



بقلم الأديبة والتربوية منال العبادي 


 من الانضباط إلى التشتت


قبل عقد، كان التعليم نظامًا منضبطًا بحدوده الواضحة: صفوف منتظمة، ومعلم بحضوره وهيبة سلطته، وطفل يُربى على الصبر والتفاعل المباشر. ثم جاءت جائحة كورونا لتكسر هذه الحدود بين البيت والمدرسة، وتجعل الشاشات الوسيط الوحيد للتعلم، فانتقلت السلطة من المعلم إلى الجهاز، ومن المؤسسة إلى أسرة غير مستعدة.


وفي خضم هذا التحول القسري، وجدت الألعاب الإلكترونية طريقها لتعيد تشكيل دماغ الطفل؛ فبينما يُطلب منه التركيز في الفصل، يعتاد عبر الشاشات على إيقاع سريع من المتعة الفورية والإثارة المستمرة. ولد من هذا التداخل ما يُعرف بـ "التعفن الدماغي" (Brain Rot)، حيث يُعاد برمجة الدماغ ليفقد القدرة على التركيز والتحمل المعرفي.


نحن اليوم أمام طفل مختلف، ودماغ أعيد توصيله بمنطق لا يتوافق مع تعليم تقليدي قائم على افتراضات لم تعد صامدة. هذه السلسلة ليست مجرد رصد للظواهر، بل محاولة لفهم الجذور العميقة للأزمة، واستشراف طريق للخروج لا يقوم على الشعارات، بل على جرأة في إعادة بناء التربية من جديد.


*التعليم قبل كورونا والتعليم الآن، تحديات وخسائر وفجوات وتشوهات بالشخصية


تمثل جائحة كورونا (كوفيد-19) نقطة تحول كبرى في تاريخ التعليم، ليس فقط لأنه أوقف حركة المؤسسات التربوية لشهور طويلة، بل لأنه أعاد تشكيل علاقة الطفل بالمعرفة والتعلم والسلطة التربوية بشكل جذري، فما كان يُعتبر استثناءً مؤقتًا أصبح نمطًا مستمرًا، وما كان يُفترض أن يكون حلاً طارئًا تحول إلى واقع جديد ترك آثاره العميقة على شخصيات الأطفال. ففي التعليم قبل كورونا، كان النموذج التقليدي يقوم على بنية مكانية وزمانية واضحة، حيث كانت المدرسة فضاء ماديًا مستقلاً له طقوسه وهيبته، يدخل إليه الطفل في عمر مبكر ليتعلم أن هناك "مكانًا خاصًا للتعلم" يختلف عن المنزل، مع وقت محدد للدراسة ببداية ونهاية واضحتين وفاصل بين وقت التعلم ووقت اللعب والراحة، وعلاقة مباشرة بين المعلم والطالب قائمة على الحضور الجسدي والتواصل البصري ولغة الجسد والتفاعل المباشر، وقد شكل هذا النموذج شخصية الطفل عبر تعليمه الانضباط من خلال الجلوس لساعات وانتظار الدور واحترام التسلسل الهرمي، وتحمل الملل بالقدرة على متابعة شرح طويل دون محفزات خارجية، والعلاقات الاجتماعية الواقعية من خلال التفاعل مع أقران متنوعين وتعلم حل النزاعات وجهًا لوجه، والهيبة بوجود سلطة تربوية ملموسة من معلم ومدير تعلّم الطفل معنى الحدود. وكانت نقاط القوة في هذا النموذج تتمثل في بناء المهارات الاجتماعية الأساسية من خلال الاحتكاك اليومي، ووجود هيكل واضح ومنظم لحياة الطفل، والفصل بين فضاء التعلم وفضاء الأسرة حيث كان المنزل مكانًا للأمان والراحة والمدرسة مكانًا للتعلم والانضباط، بينما كانت نقاط الضعف تكمن في جمود المناهج وطرق التدريس أحيانًا، والتركيز على الحفظ والتلقين على حساب التفكير النقدي، وضعف توظيف التقنية كأداة تعليمية. ثم جاء التحول القسري أثناء الجائحة وما بعدها، فخلال الإغلاق حدث الانتقال القسري إلى التعليم عن بُعد حيث تحولت ملايين الأسر بين ليلة وضحاها إلى فصول دراسية، واندمجت الفضاءات فأصبح المنزل هو المدرسة وغرفة النوم هي قاعة الدرس والأهل هم المعلمون المساعدون، وحدث الاعتماد الكامل على الشاشات فأصبح الجهاز اللوحي أو الهاتف هو أداة التعلم الوحيدة، وغياب الرقابة المؤسسية حيث فقدت المدرسة قدرتها على ضبط الحضور والانضباط والسلوك، ثم استمر بعد الجائحة الاعتماد المفرط على التقنية فأصبحت الشاشات جزءًا لا يتجزأ من التعليم اليومي،وتراجعت هيبة المدرسة والمعلم بعد أن رأى الطالب أن "المدرسة يمكن أن تكون في المنزل" وأن "المعلم يمكن أن يكون عبر شاشة"، وتآكل الانضباط فأصبح الجلوس لساعات في الفصل تحديًا كبيرًا بعد سنوات من التعلم المرن أو المترهل من المنزل. ونتج عن هذا التحول تحديات متعددة واجهها التعليم بعد كورونا، منها تحديات معرفية وأكاديمية تمثلت في فجوات تعلم هائلة حيث تشير تقديرات منظمات دولية مثل اليونسكو والبنك الدولي إلى أن الطلاب خسروا ما يعادل سنة دراسية أو أكثر في المهارات الأساسية من قراءة وكتابة وحساب، وتراجع مستوى التحصيل بسبب غياب التطبيق العملي والممارسة المستمرة تحت إشراف مباشر، وصعوبة العودة إلى الإيقاع الأكاديمي فالطلاب الذين اعتادوا على التعلم القصير غير المنتظم يجدون صعوبة في التأقلم مع يوم دراسي كامل. كما ظهرت تحديات نفسية واجتماعية مثل قلق الانفصال لدى الأطفال الصغار الذين التحقوا بالمدرسة لأول مرة أثناء الجائحة أو بعدها فلم يتطور لديهم الأمان الكافي للانفصال عن الأهل، وتراجع المهارات الاجتماعية حيث أضعفت سنوات العزلة والتفاعل عبر الشاشات قدرة الأطفال على القراءة الاجتماعية وحل النزاعات والتعاطف المباشر والعمل الجماعي، وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب نتيجة العزلة الاجتماعية وفقدان الروتين والضغط الأكاديمي المتراكم مما أدى إلى أزمة صحة نفسية غير مسبوقة بين الأطفال والمراهقين. بالإضافة إلى تحديات سلوكية تمثلت في ضعف الانضباط الذاتي لأن التعليم عن بُعد لم يكن يتطلب نفس المستوى من الانضباط المطلوب في المدرسة، وصعوبة تقبل السلطة فبعد أن اعتاد الطالب على بيئة تعليمية بلا رقابة مباشرة أصبح تقبل توجيهات المعلم تحديًا كبيرًا، والعناد والمواجهة حيث عزز نمط التعلم المستقل أو المنفلت لدى بعض الأطفال رفض التوجيه والمواجهة المباشرة للسلطة. وتوزعت الخسائر على عدة مستويات، ففي الخسائر الأكاديمية فقد الطلاب ما يعادل سنة إلى سنتين تعليمية في العديد من الدول، وتراجعت مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية خاصة في المراحل المبكرة التي تحتاج فيها هذه المهارات إلى تدريب عملي ومباشر، واتسعت فجوة الفرص فكان الطلاب من أسر ذات دخل منخفض أو أسر أقل تعليمًا هم الأكثر تضررًا مما زاد الفجوة التعليمية بين الفئات الاجتماعية. وفي الخسائر الاجتماعية، فقدت المدرسة دورها كفضاء للتنشئة الاجتماعية حيث لم تعد فقط مكانًا للتعلم الأكاديمي بل هي المكان الذي يتعلم فيه الطفل الصداقة والتعاون وحل الخلافات والانتماء للمجموعة، وفقدت طقوس العبور من حفلات تخرج ورحلات مدرسية وأنشطة لاصفية لسنوات، وتراجع دور المدرسة في الكشف المبكر عن المشكلات التي كانت تلعب دورًا حاسمًا في اكتشاف صعوبات التعلم والمشكلات الأسرية والإهمال. وفي الخسائر الصحية، زادت السمنة نتيجة قلة الحركة والجلوس الطويل أمام الشاشات، وظهرت مشكلات النظر نتيجة التعرض المطول للشاشات مما أدى إلى ارتفاع حاد في مشكلات الإبصار بين الأطفال، وحدثت اضطرابات النوم بسبب تغير الإيقاع اليومي واختفاء الفصل بين وقت المدرسة والمنزل. كما خلق التحول عدة فجوات، منها الفجوة الرقمية التي تفاقمت بين من يملك ومن لا يملك، فأطفال الأسر الميسورة كان لديهم أجهزة وإنترنت ومساحة خاصة للتعلم بينما عانى أطفال الأسر الفقيرة من الاكتظاظ وانقطاع الكهرباء وغياب الأجهزة، بالإضافة إلى فجوة المهارات الرقمية ليس فقط في توفر الأجهزة بل في القدرة على استخدامها بشكل فعال للتعلم. والفجوة بين الأسر، حيث كانت هناك أسر قادرة على دعم أطفالها من حيث الوقت والكفاءة التعليمية والاستقرار النفسي، وأسر منهكة من آباء يعملون وأسر كثيرة الأطفال أو أسر تعاني أصلًا من مشكلات اقتصادية أو نفسية، مما أثر بشكل مباشر على مستوى التعلم والتحصيل. والفجوة بين الطلاب أنفسهم، فمنهم من تمكن من التكيف واستفاد من مرونة التعليم عن بُعد، ومنهم من سقط في الفجوة خاصة ذوي صعوبات التعلم وذوي الاحتياجات الخاصة والطلاب الذين يعتمدون على الدعم المباشر. والفجوة بين ما هو مطلوب وما هو متاح، حيث بقيت المناهج كما هي أو ازدادت كثافة بينما تراجعت قدرات الطلاب مما خلق فجوة كبيرة بين التوقعات والإمكانيات. ونتج عن كل ذلك تشوهات في شخصية الطفل تجلت في عدة مستويات: في العلاقة مع الذات ظهر ضعف الثقة بالنفس الأكاديمية حيث يجد الطفل نفسه غير قادر على مجاراة زملائه أو تلبية متطلبات المدرسة فيتولد لديه شعور بالفشل، واضطراب الهوية حيث لم يتطور لدى الطفل إحساس واضح بمن هو في سياق المجموعة لأنه غاب عن التفاعل الاجتماعي الجماعي لفترة طويلة، ونرجسية رقمية نتيجة الاعتياد على أن يكون محور اهتمام الأسرة أثناء التعلم من المنزل ثم يصطدم بواقع المدرسة حيث هو واحد من بين ٢٥ أو ٣٠.

 وفي العلاقة مع الآخر ظهر ضعف التعاطف حيث حرمت سنوات التفاعل عبر الشاشات الطفل من رؤية "أثر" كلماته وأفعاله على الآخرين من دموع وتعابير وجه ولغة جسد، وصعوبة العمل الجماعي فالطفل الذي تعلم بشكل فردي من المنزل يجد صعوبة في المشاركة وانتظار الدور وتقبل آراء الآخرين، وتراجع مهارات حل النزاعات حيث غابت عن الطفل التدريبات اليومية على كيفية الاختلاف دون صراع وكيفية التفاوض والتنازل. وفي العلاقة مع السلطة ظهر تراجع هيبة المعلم بعد أن رأى الطفل المعلم عبر شاشة صغيرة وتحدث معه عبر ميكروفون وأحيانًا أغلق الكاميرا متى شاء فتراجعت مكانة المعلم في ذهنه، وصعوبة تقبل الحدود لأن التعليم عن بُعد لم يكن له حدود واضحة من حيث متى يذاكر ومتى يتوقف فاعتاد الطفل على غياب الحدود، ورفض التوجيه فالطفل الذي اعتاد أن يتحكم في وتيرة تعلمه أو يعتقد أنه يتحكم يرفض أن يوجهه معلم. وفي العلاقة مع الوقت والمجهود ظهر ضعف التحمل حيث جعل الإدمان على المحتوى السريع من ريلز وتيك توك الطفل غير قادر على بذل جهد معرفي مستمر، وفقدان القدرة على تأجيل الإشباع حيث جعلته المكافأة الفورية التي اعتاد عليها في الألعاب والتطبيقات غير قادر على العمل من أجل هدف بعيد، واضطراب الإيقاع اليومي نتيجة غياب الهيكل الزمني للمدرسة من موعد ثابت للاستيقاظ والحضور والانصراف مما أدى إلى اضطراب في الساعة البيولوجية. وفي العلاقة مع التقنية ظهر الاعتماد المرضي حيث تحولت التقنية من أداة تعليمية إلى ملاذ دائم بل إلى بديل عن العلاقات الواقعية، وفقدان القدرة على الملل الإبداعي فالطفل لم يعد يعرف كيف يشغل وقته دون شاشة وفقد القدرة على الإبداع الذي ينبثق من لحظات الفراغ. ويمكن تلخيص المقارنة الجوهرية بين ما قبل وما بعد في أن الفضاء تحول من المدرسة كفضاء مادي منفصل إلى فضاء هجين انهارت فيه الحدود بين البيت والمدرسة، والسلطة تحولت من معلم له هيبة وحضور مادي إلى معلم سلطته متآكلة وجوده عبر الشاشات أفقده القدسية، والانضباط تحول من هيكل صارم ووقت محدد إلى هيكل مرن أو مفكك مع صعوبة في الالتزام، والمهارات الاجتماعية تحولت من التعلم بالاحتكاك المباشر إلى ضعف في المهارات الاجتماعية الأساسية، والتحصيل تحول من مستوى متوقع بفجوات محدودة إلى فجوات تعلم هائلة وتفاوت كبير، والصحة النفسية تحولت من تحديات معتادة كقلق الاختبارات وتوترات الصداقات إلى أزمة صحة نفسية غير مسبوقة، والتقنية تحولت من أداة مساعدة إلى مسيطرة وأحيانًا بديلة عن التعليم الحقيقي، والشخصية تحولت من انضباط وتحمل واحترام سلطة إلى اندفاع وضعف تحمل وصعوبة في تقبل التوجيه. ولمواجهة هذا الواقع الجديد، لا بد من التعامل عبر عدة مسارات: أولاً، الاعتراف بالفجوات أولاً فلا يمكن معالجة مشكلة لا نعترف بوجودها، من خلال تقييم حقيقي لمستويات الطلاب دون إنكار، وقبول أن الطلاب ليسوا مسؤولين عن هذه الفجوات بل هم ضحايا ظروف استثنائية. ثانيًا، إعادة بناء المهارات الأساسية عبر برامج علاجية للقراءة والكتابة والحساب في المراحل المبكرة، وإعادة تأهيل المهارات الاجتماعية عبر أنشطة جماعية مكثفة. ثالثًا، إعادة هندسة المناهج والتقييم من خلال تخفيف المناهج لتتناسب مع القدرات الحالية، وتقييم مرن لا يركز على الحفظ بقدر ما يركز على المهارات الأساسية. رابعًا، إعادة بناء العلاقة مع المعلم والمدرسة عبر برامج لاستعادة هيبة المعلم بدعم من المجتمع والأسرة، وإعادة تعريف دور المدرسة ليس فقط كمكان للتعلم الأكاديمي بل كمركز للتنشئة الاجتماعية والصحة النفسية. خامسًا، علاج الإدمان الإلكتروني من خلال برامج متخصصة لفطم الأطفال عن الاعتماد المرضي على الشاشات، وإعادة تعليم الطفل كيف يكون بدون جهاز. سادسًا، دعم الصحة النفسية بوجود مرشدين نفسيين في كل مدرسة، وبرامج توعية للأسر حول علامات القلق والاكتئاب، ودمج أنشطة الاسترخاء والتأمل والرياضة في اليوم الدراسي. وفي الختام، فإن التعليم بعد كورونا ليس مجرد استمرار لما كان قبله مع بعض التعديلات، إنه واقع جديد تمامًا، فالجائحة لم تكن مجرد "فجوة تعليمية" يمكن سدها ببرامج تقوية، بل كانت حدثًا أعاد تشكيل شخصية الطفل في مستوياتها العميقة من علاقته بنفسه وبالآخر وبالسلطة وبالوقت وبالجهد وبالتقنية. المشهد التربوي اليوم يتطلب تواضعًا في التوقعات لأن الأطفال ليسوا كما كانوا، وجرأة في إعادة التفكير لأن الحلول التقليدية لم تعد كافية، واستثمارًا في الصحة النفسية والمهارات الاجتماعية بقدر ما نستثمر في التحصيل الأكاديمي، وشراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة لأن الحدود بينهما انهارت ولا يمكن إعادة بنائها كما كانت. فالطفل الذي خرج من هذه التجربة ليس "طفلاً متأخرًا دراسيًا" فقط، بل هو طفل يحمل في شخصيته آثار سنوات من العزلة والشاشات وغياب الهيكل، ومواجهة هذا الواقع تحتاج إلى أكثر من برامج تقوية؛ تحتاج إلى رؤية تربوية جديدة تعترف بأن التعليم ما بعد كورونا يتطلب إعادة تأسيس، لا مجرد إصلاح.


إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology