الأخصائية في التنويم الكمي والمغناطيسي غادة يحيى: متى يصبح الخوف عائقًا أمام التقدّم؟

 



في ظلّ التحدّيات النفسية والضغوط المتزايدة التي يعيشها الإنسان اليوم، يبرز الاهتمام أكثر بفهم الذات واكتشاف الجذور العميقة التي تؤثّر في السلوك والمشاعر. في هذا الإطار، نستضيف الأخصائية الإكلينيكية اللبنانية في التنويم المغناطيسي غادة يحيى، المعتمدة من National Guild of Hypnotists، والحاصلة على المستوى الثالث في تقنية التنويم الكمي (QHHT)، وهو أعلى مستوى ضمن هذه المنهجية على مستوى العالم.

تعمل غادة يحيى على مرافقة الأفراد في فهم أنماطهم الداخلية واستكشاف العوامل اللاواعية التي تؤثّر في قراراتهم وعلاقاتهم، من خلال منهجية متخصّصة تجمع بين عدد من التقنيات العلاجية الحديثة.

وفي هذه المقابلة، نتحدّث معها عن تأثير التجارب القديمة في تشكيل شخصياتنا، والخوف من التغيير، وصعوبة اتخاذ القرارات، وكيف يمكن للإنسان أن يطوّر وعيه بنفسه ليعيش حياة أكثر توازنًا ووضوحًا.


- بداية، إلى أي مدى تؤثّر تجاربنا القديمة في شخصياتنا؟وهل يمكن التحرّر منها؟

تؤثّر تجاربنا القديمة، وخصوصًا المؤلمة منها، فينا أكثر مما نعتقد. فإذا لم تُفهم تلك التجارب ولم تُعالَج، فإنها قد تشكّل نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الحياة، كما قد تؤثّر في اختياراتنا وعلاقاتنا.

أحيانًا نظن أننا نتصرف بوعي كامل، بينما قد نكون في الواقع نعيد استجابة قديمة تعلّمناها في مرحلة سابقة من حياتنا. ومع ذلك، فإن هذا التأثير ليس حتميًا.فالإنسان يمتلك قدرة حقيقية على التغيير. وعندما نعمل على فهم جذور التجربة ونحرّر الأثر العاطفي المرتبط بها، يصبح القرار أكثر وضوحًا، ويستطيع الحاضر أن يتحرّر من ثقل الماضي.

- لماذا نشعر أحيانًا بحماسٍ كبير تجاه أمرٍ ما، ثم نتراجع عنه لاحقًا؟

التراجع لا يعني دائمًا ضعف الإرادة. فكل إنسان يحمل في داخله دافعًا طبيعيًا للتطوّر، لكنه في الوقت نفسه يحمل حاجة عميقة إلى الشعور بالأمان. وإذا كانت الخطوة الجديدة تمثّل تغييرًا كبيرًا، حتى لو كان إيجابيًا، فقد يظهر خوف داخلي مرتبط بتجربة سابقة.

في هذه الحالة يحدث نوع من التردّد، ليس لأن الشخص لا يريد التقدّم، بل لأن جزءًا داخليًا منه يحاول حمايته.

وعندما نعمل على فهم هذا الجزء الداخلي والتعامل معه بوعي، يصبح الحماس أكثر ثباتًا، ويصدر القرار من ثقة داخلية بدل أن يكون نتيجة صراع داخلي.

- هل تراجع الحب في زمننا وحلّت المصلحة مكانه؟

برأيي، لم يتراجع الحب، لكن مستوى الخوف قد ازداد.

اليوم يدخل كثير من الناس في العلاقات من موقع الحماية لا من موقع الانفتاح. فعندما يكون الإنسان ما زال يحمل ألمًا قديمًا أو شعورًا بعدم الأمان، يميل إلى التفكير بالحسابات أكثر من التفكير بالمشاركة الحقيقية.

فيبدأ بطرح أسئلة مثل: ماذا سأربح؟ وماذا قد أخسر؟ بدل أن يسأل: كيف يمكن أن ننمو معًا؟

المشكلة ليست في اختفاء الحب، بل في أن صوت الخوف أصبح أعلى. فالحب يحتاج إلى شعور داخلي بالأمان وإلى نضج عاطفي.

وعندما يعمل الإنسان على فهم ذاته ومعالجة جذوره الداخلية، يستطيع أن يدخل العلاقة بوعي، لا بدافع الحماية. لذلك فالمسألة ليست أن الزمن سيّئ، بل هي دعوة إلى وعي أعمق في العلاقات.

- الخوف من المستقبل ومن التغيير أصبح شعورًا شائعًا. كيف يمكن التمييز بين الخوف الطبيعي والخوف الذي يقيّد الإنسان ويمنعه من التقدّم؟

الخوف بحدّ ذاته شعور طبيعي ومهم، فهو جزء من نظام الحماية لدى الإنسان.

فالخوف الطبيعي يدفعنا إلى الانتباه، ودراسة الخطوات، والتصرّف بوعي. يكون حاضرًا، لكنه لا يشلّنا. أما الخوف المقيِّد فهو الذي يضخّم الاحتمالات السلبية ويجعل الإنسان يبالغ في تقدير المخاطر إلى درجة تجعله يتوقّف عن التقدّم.

والفرق بسيط: الخوف الصحي يساعدك على التحرّك بحذر، أما الخوف الذي يقيّدك فيمنعك من التحرّك أساسًا.

وعندما يتحوّل الخوف من إنذار مؤقّت إلى حالة دائمة، يكون غالبًا مرتبطًا بشعور بعدم الأمان أو بتجارب سابقة ما زالت مؤثّرة.

لذلك فإن المعالجة الحقيقية لا تهدف إلى إلغاء الخوف، بل إلى تنظيمه، بحيث يبقى شعورًا يحمي الإنسان لا قيدًا يمنعه من التقدّم.

- كثيرون يعانون من صعوبة في اتخاذ القرارات، حتى المصيرية منها. هل يرتبط ذلك بانعدام الثقة بالنفس أم بتجارب سابقة أم بعوامل أعمق في اللاوعي؟

غالبًا ما تكون صعوبة اتخاذ القرار أعمق من مجرد مسألة ثقة بالنفس.

ففي بعض الأحيان يكون الشخص متأثّرًا بتجارب سابقة جعلته يخاف من الخطأ أو من تحمّل نتائج خيار قد لا يكون كما توقّع. وفي أحيان أخرى يكون هناك صراع داخلي غير واضح؛ جزء يريد التقدّم والاختيار، وجزء آخر يخشى الخسارة أو الرفض أو فقدان الشعور بالأمان. لذلك يظهر التردّد، ليس لأن الإنسان ضعيف، بل لأنه يعيش حالة من عدم التوازن الداخلي. وعندما نعمل على فهم مصدر هذا الخوف واستعادة الإحساس بالأمان الداخلي، يصبح القرار أكثر وضوحًا وهدوءًا. فالقرار السليم لا يصدر عن ضغط، بل عن انسجام داخلي وثقة نابعة من فهم الذات.

- ختامًا، ما النصيحة التي تقدّمينها لأي شخص يشعر بألم داخلي أو صراع نفسي لكنه متردّد في طلب المساعدة؟

إذا كان هناك شخص يسمعنا اليوم ويشعر بألم داخلي لكنه يلتزم الصمت، فأود أن أقول له إن هذا الألم لا يجب أن يبقى مخفيًا. قد يكون الإنسان قد اعتاد التحمّل أو أقنع نفسه بأن الأمر سيمرّ مع الوقت، لكن الألم الذي لا يُعبَّر عنه لا يختفي، بل يترسّخ. طلب المساعدة ليس علامة ضعف، بل لحظة وعي وشجاعة. فإذا كان هناك صراع داخلي يتكرّر أو تعب لا يجد له الإنسان تفسيرًا واضحًا، فمن المهم أن يمنح نفسه الإذن بالكلام. القوة الحقيقية ليست في الكتمان، بل في اختيار الشفاء. وأحيانًا تكون الخطوة الأولى نحو التغيير هي الاعتراف بأن الإنسان يستحق الراحة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology