بقلم: لمياء العويد
لم أكن أنوي يومًا أن أكتب عن الموت، فالحياة في نظري كانت دائمًا أحقَّ بالكلمات. لكن في الآونة الأخيرة، صار الموت يمرّ بيننا بخفةٍ مقلقة، كأنّه صار خبرًا يوميًا لا يثير الدهشة كما كان من قبل. وجوهٌ شابة ترحل فجأة، وقلوبٌ في مقتبل العمر تتعب دون إنذار، وجلَطاتٌ تخطف أحلامًا كانت ما تزال في بداياتها.
أمام هذا التسارع الموجع، لا يسعني إلا أن أتساءل:
هل الأجساد هي التي تهاوت فجأة، أم أن القلوب سبقتها إلى الانكسار بصمت؟
نعيش في زمنٍ يتقن فيه الناس البكاء عند الفقد، لكنه يتأخر كثيرًا في الحضور حين تكون القلوب بحاجة إلى عناق.
نُجيد الوقوف حول النعوش، لكننا نقصر في الوقوف إلى جانب الأحياء وهم يثقلهم التعب.
نكتب كلمات الرثاء ببلاغةٍ مؤثرة، لكننا نبخل بكلمة محبة كان يمكن أن تُرمّم قلبًا أو تُعيد إليه شيئًا من الطمأنينة.
احملوا قلوبنا برفق…
فليس كل من يبتسم بخير، وليس كل من يصمت قويًا كما يبدو.
بعض القلوب تمضي أيامها مثقلةً بما لا يُقال، تخبئ وجعها خلف ملامح هادئة، وتنتظر يدًا تمتد، أو كلمةً صادقة تقول لها إن العالم ما زال يتّسع للرحمة.
زوروا بعضكم قبل أن تُصبح الزيارات عزاء.
واسألوا عن بعضكم قبل أن تتحول الأسئلة إلى حسرة.
قولوا الكلمات الطيبة الآن، لا حين تُكتب الأسماء على شواهد القبور.
صلة الرحم ليست مجرد واجب اجتماعي نؤديه على عجل، بل هي دفءٌ يحفظ القلوب من التصدّع.
والاحتضان ليس ترفًا عاطفيًا كما يظن البعض، بل أمانٌ يحتاجه الإنسان كي يواصل الطريق دون أن ينهكه الصمت.
فمن لا يزورنا والدار متعبة، لا حاجة لنا به حين تزدهر الدار بالضوء.
ومن غاب عن القلوب في أيامها الثقيلة، لن تعوض حضوره أكاليل الورد فوق النعوش.
الحياة أقصر مما نظن، والقلوب أرقّ مما نتخيل.
لذلك، قبل أن تنشغلوا بنقش الكلمات على شواهدنا،
انقشوا المحبة في أيامنا ونحن ما زلنا هنا.
فربما كلمة حنان،
أو زيارة صادقة،
أو حضنٌ دافئ…
كان كفيلًا بأن يؤخر جنازة، ويُبقي قلبًا حيًا.
