حين يصير الوطن جرحًا: قراءة نقديّة في بنية الوجع والعزة.

 




 الكاتبة سهيلة آل حجازي

    كنا نسمع بالأمس القريب الشعراء يتحدثون عن الألم، وبين أيدينا اليوم، نص لا يكتفي بأن يقول الألم، بل يقيمه عقيدة لغوية، ويجعل من القصيدة مساحة، يتجاوز فيها الكبرياء والانكسار، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. 

تأتي قصيدة المقرحي، الشاعر الليبي، في تسعة أبيات على بحر البسيط، وقد وُفق الشاعر في استخدام البحر مع ما حملت القصيدة من شعور ومعنى. 


يقول الشاعر/ علي المقرحي 


 ما الموتُ في الأرضِ إلا بعضُ ما أجِدُ 

لو مسّني الصخرُ لم يُنسَبْ لهُ الجَلَدُ


أموتُ بالعِزِّ بل أحيا بميتَتِهِ

 الحُرُّ عِزُّ وأمسٌ يقتفيهِ غَـدُ


أتى الزمانُ بسَيلِ الذُّلِّ، منطِقُهُ

 أنْ ليسَ يرفعُ راياتِ العُلى أحَدُ


ونُكِّسَ المَجدُ إلاّ أَنَّ رايتَـهُ

 بقلبِ كُلِّ أصيلٍ قَدَّستْهُ يَدُ


هـٰذي البلادُ على الأيامِ قد صُلِبتْ 

أبناؤُها فَرّقوها كلّما اتَّحدُوا


أتباعُ كُلِّ نعيقٍ قال فلسفةً 

وبانحلالِهِمِ حلُّوا الذي عقدُوا


عجِبتُ من أُمّةٍ جُهَّالَها وَلدتْ 

ومِن معالِمِها أو عِلمِها تَئِـدُ


ما وحدةُ الأرضِ إن أطرافها اتحدت

 بل رُقعةُ الأرضِ بالأرواحِ تتّحِدُ


في كُلِّ يومٍ تمُدُّ الكفَّ يا وطني

 لجمعنا فإذا الأحقادُ تتَّقِـدُ


الشاعر هنا لا يرثي وطنًا بالمعنى المباشر، وإنما يرثي الإنسان حين يفتقد المعنى، الذي يجعله أهلًا للوطن أصلًا. 

منذ مطلع القصيدة تتبدى نظرة التعالي على الموجع، في قول علي المقرحي:

 - ما الموت في الأرض إلا بعض ما أجد. 

   الموت هنا لم يعد نهاية مرعبة، بل درجة أقل من شعور داخلي يستنزف الذات، وهذه بداية جيدة ورائعة، إذ أنها لا تدخل من بوابة الحدث، بل من عمق الإحساس، وإني أقول أن أجمل ما في المطلع ليس فكرته وحدها، بل تلك القسوة الهادئة التي تقال بها الحكمة، وكأنما المقرحي بلغ من التعب مرحلة لا يحتاج معها إلى الصراخ، ويتجلى ذلك في الشطر الثاني من البيت الأول، اعتمد المقرحي على التصريع في البيت الأول لجذب انتباه الأذن، وقد تجلى ذلك في ( ما أجد، الجلد) 

وفي قوله: 

- أموت بالعز بل أحيا بميتته

ييلغ النص ذروة اعتداده، فالعز لم يعد قيمة أخلاقية فحسب، بل وسيلة نجاة وجودية، وكأن الحياة بلا كرامة صورة أخرى للموت، بينما الميتة الكريمة نوع من الخلود، وعلى الرغم من قدم الفكرة في الشعر العربي، إلا أنها جاءت محمولة على صدق شعوري منحها حداثتها، ويأتي في الشطر الثاني مفارقة؛ إذ تحولت الموتة الكريمة إلى نوع من الخلود المعنوي، وهنا يكشف المقرحي اللثام عن العزة؛ إذ هي عنده ليست حالة، بل امتدادًا تاريخيًا متصلًا. 

- أتى الزمان بسيل الذل منطقه:

هنا شخَّص المقرحي الذل، وجعل له منطقًا، وكأن الانحدار صار فلسفة عامة يتداولها الناس. 

- ونُكس المجد إلا أن رايته: 

على الرغم من سقوط المظاهر، يبقى المجد في قلب كل شريف، وفي هذا بصيص أمل ينبع سواد العامة والرعية. 

إلا أن النقلة للحديث عن الأمة، نلاحظ فيها تخففًا من الشعر لمصلحة الخطابة أحيانًا، وبخاصة في الأبيات التي تُكثر من إصدار الأحكام المباشرة مقوله: 

- أتباع كل نعيق قال: فلسفة 

فالبيت يحمل غضبًا جليًا، لكنه يقترب من التقرير أكثر مما يقترب من الإدهاش الشعري؛ إذ إن القصيدة كلما فُسرت خسرت شيئًا من توهجها الفني، ومع ذلك، فإن النص يستعيد قوته سريعًا في صور شديدة الألم، كقول المقرحي: 

- هذي البلاد على الأيام قد صُلبت

أبناؤها فرقوها كلما اتحدوا 

فهنا تتجلى قدرة الشاعر على تكثيف آل مأساة في صورة واحدة، فالوطن ليس جريحًا فقط، بل مصلوب، الجلاد ليس غريبًا، بل الابن ذاته، ولعل هذا أكثر الأبيات صدقًا قسوة في آن واحد - إن لم يكن أصدقها وأقساها - فحال البلاد مثل حال ابن مريم عليهما السلام، مصلوب بيد الأهل. 


- ما وحدة الأرض إن أطرافها اتحدت

بل رقعة بالأرواح تتحد 

إني أقول: هذا البيت هو الأجمل دلالة في نص المقرحي؛ إذ خرج من السياسة إلى الوعي الإنساني الأعمق، فالوحدة ليست خرائط، بل قيم وعادات، وأعراف مشتركة، وشعور متبادل بالانتماء، ومن هنا فإن نص المقرحي قد تجاوز لحظته العابرة؛ يقترب من الحكمة الشعرية الباقية. 

   من حيث اللغة نجد القصيدة، تميل إلى جلالة اللفظ، فيستند المقرحي إلى معجم تراثي يمنح القصيدة مهابة، وانسجامًا مع موضوعها، لكنَّ بعض الأبيات كانت تحتاج إلى الاقتصاد اللغوي؛ حتى لا تتكئ على المعنى أكثر، ومع ذلك يبقى نص المقرحي قادرًا على خلق أثره؛ لأنه كُتب من منطقة مشتعلة في الروح، لا من رغبة في الوعظ أو التزيين، وهذا ما يجعل القصيدة رغم سوداويتها ممتلئة بحياة داخلية لا تخطئها القراءة


 

إرسال تعليق

أحدث أقدم

Recent in Technology